إسماعيل: لا تعارض بين المبادرات الأمريكية والأممية مع إمكانية تكاملها

قال المحلل السياسي السنوسي إسماعيل، إن الاجتماع المرتقب بين الأجسام الثلاثة المنبثقة عن الاتفاق السياسي يأتي في إطار حراك إقليمي متجدد تشهده الساحة الليبية، لافتًا إلى وجود توجهات إقليمية، خاصة من مصر وتركيا، للدفع نحو إعادة إحياء التوافقات بين هذه الأجسام السياسية، بما يضمن تفادي أي تعارض مع المبادرات المطروحة، وفي مقدمتها المبادرة الأمريكية.
وأوضح إسماعيل، في تصريحات لتلفزيون “المسار “، رصدتها صحيفة الساعة24، أن المبادرة الأمريكية انطلقت بالفعل في ليبيا، وتمضي عبر عدة مسارات متوازية، من بينها الاتفاق التنموي الذي جرى إنجازه، إضافة إلى التنسيق العسكري الذي قد يفتح الباب أمام خطوات باتجاه توحيد المؤسسة العسكرية.
وأشار إلى أن الأمم المتحدة أبدت في البداية تحفظًا على ما وصفته بمسارات موازية للمسار الأممي، غير أن الاتجاه الحالي – بحسب تقديره – يشير إلى إمكانية نجاح “الحوار المهيكل” في إنتاج مخرجات تعالج القضايا الخلافية الجوهرية، بما يتيح لاحقًا تنسيق الجهود بين المبادرات المختلفة، على أساس ألا تُفرض حلول من الخارج، وإنما تُبنى على توافق “ليبي – ليبي”.
وأضاف أن التجربة الليبية في جنيف شهدت في بدايتها توافقًا على تشكيل مجلس رئاسي برئاسة عقيلة صالح وعضوية أسامة الجويلي وعبد المجيد سيف النصر، إلى جانب تشكيل حكومة برئاسة فتحي باشاغا، معتبرًا أن تلك الصيغة كانت قائمة قبل أن تُلغى لاحقًا نتيجة ظروف لم يوضح تفاصيلها، ما أدى إلى الانتقال إلى آلية التسوية.
وتابع أن التخوف من تكرار تجربة جنيف لا يزال حاضرًا لدى بعض الأطراف، مشيرًا إلى أن ضغوطًا مورست على الإدارة الأمريكية لتولي الملف الليبي، بهدف تجاوز الإشكالات الفنية التي رافقت حوارات تونس وجنيف.
وفي هذا السياق، اعتبر إسماعيل إن مفهوم “التسوية” غالبًا ما يرتبط بأجسام منتخبة، موضحًا أنه لا يمكن مقارنته بمسار يضم نحو 75 شخصية جرى اختيارها بآليات لا تحظى بإجماع ليبي كامل، غير أنه اعتبر أن المسار الحالي يمثل مساحة قابلة للتطور، مؤكدًا أنه لا يرى أن المصطلح الدقيق هو “تسوية”، بل “توافق بين الأطراف الفاعلة الرئيسية” على تشكيل حكومة موحدة مؤقتة تقود المرحلة الانتقالية وفق خريطة الطريق الأممية.
وأكد أنه لا تعارض – من وجهة نظره – بين المسارات المختلفة، لأن الحديث لا يدور حول حكومة دائمة، بل عن ترتيبات مؤقتة تهدف إلى دفع العملية السياسية، مع ضرورة تفادي أخطاء التجربة السابقة في جنيف.
وأضاف أن المسار المقترح يقوم على إشراك جميع القوى الفاعلة الرئيسية في الغرب والشرق والجنوب، بما يسمح بتشكيل جسم تنفيذي يعكس هذا التوازن، معتبرًا أن هذا الطرح قد يكون مطروحًا للنقاش خلال الاجتماع المرتقب بين رؤساء المجالس الثلاثة.
وفيما يتعلق بموقف مجلس النواب، تساءل إسماعيل عن مدى استعداد الأطراف المختلفة لقبول توافقات قد تؤدي إلى تغيير الحكومة الحالية، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن رئيس مجلس الدولة محمد تكالة، يواجه معادلات داخلية مرتبطة بتمثيل المجلس وتوازناته السياسية.
واعتبر أن أي صيغة حكومية مستقبلية يجب أن تستند إلى توافق بين مجلسي الدولة والنواب، بما يمهد لاستكمال المسار السياسي، لافتًا إلى أن خيار تشكيل حكومة من الأطراف الفاعلة يظل خيارًا مطروحًا وقابلًا للتطبيق في حال توفر الإرادة السياسية.
وأكد أن هذا المسار، إذا ما اكتمل، قد يشكل مدخلًا عمليًا نحو تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي يطالب بها الليبيون، بما يضمن الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الاستقرار السياسي.
وأردف: أن التحركات والمبادرات الجارية بشأن الملف الليبي، سواء عبر المسارات الأمريكية أو عبر بعثة الأمم المتحدة، تأتي ضمن معالجات جزئية وخطوات متتابعة في إطار رؤية أوسع لإعادة ضبط المشهد السياسي الليبي، مشيرًا إلى أن المسار الأمريكي المعروف بمسار “بولس” يسعى إلى تهيئة الأرضية أمام الليبيين لاستعادة القرار السياسي وتقليل التدخلات الخارجية.
وأضاف أن الولايات المتحدة تنظر إلى تعدد النفوذ الدولي في ليبيا باعتباره عاملًا قد يهدد مصالحها، ما يدفعها إلى دعم مسار الأمم المتحدة، خصوصًا في ظل تحركات بعثة الأمم المتحدة بقيادة ستيفاني خوري، والتي تعمل على دفع “الحوار المهيكل” نحو مخرجات تعالج القضايا الخلافية الأساسية.
وأشار إلى أن التصور الأمريكي يقوم على ضرورة الوصول إلى توافقات “ليبية – ليبية” واضحة تُجنب فرض حلول خارجية، مستشهدًا بتجربة جنيف التي شهدت توافقًا أوليًا قبل أن تتعثر لاحقًا بفعل تعقيدات سياسية.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين المسارات الدولية المختلفة، شدد إسماعيل على أنه لا يرى تعارضًا بين المبادرات الأمريكية والأممية، بل إمكانية للتكامل بينها، خصوصًا في الملفات الاقتصادية والعسكرية، مثل اتفاقات الإنفاق العام والتنسيق الأمني، معتبرًا أن هذه الملفات تمثل مدخلًا عمليًا لدعم المسار السياسي.
وأضاف أن الاتفاق على الإنفاق العام يُعد خطوة مرحلية مرتبطة بالوضع الراهن، لكنه لا يغني عن مخرجات الحوار المهيكل التي يفترض أن تعالج قضايا أعمق تتعلق بتوزيع الثروة ومستقبل الاقتصاد الليبي.
ولفت إلى أن تحركات البعثة الأممية، بما في ذلك زياراتها إلى مدن ليبية مثل بنغازي، تعكس سعيًا لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي في ظل تسارع المبادرات الإقليمية والدولية، وهو ما يدفع الأجسام السياسية إلى البحث عن حلول لتفادي التهميش.
وختم إسماعيل بالتأكيد على أن المسار الحالي، رغم تعقيداته، قد يفتح الباب أمام إعادة تفعيل الاتفاق السياسي الليبي وآلياته، بما يشمل تشكيل حكومة موحدة وتنظيم الانتخابات، مشيرًا إلى أن الهدف النهائي يتمثل في استعادة القرار الليبي وتحقيق الاستقرار عبر توافق داخلي مدعوم بتفاهمات إقليمية ودولية.









