ليبيا

حذيفة: حل الأزمة يستلزم تسوية شاملة تسبق الانتخابات وتستند لإرادة شعبية

أكد عضو اللجنة الاستشارية كمال حذيفة، أن أي حوار بين الأطراف الليبية يمثل خطوة إيجابية نحو حل الأزمة، مشدداً على أن الطريق الأمثل للخروج من حالة الانسداد السياسي والانقسام يتمثل في التفاوض السلمي على طاولة الحوار، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين مختلف الفاعلين، ويمهد للوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية.

وأوضح حذيفة في حديث لتلفزيون “المسار” رصدته “الساعة 24” أن الاجتماعات الجارية، بما في ذلك ما يُعرف بـ “الطاولة الرباعية”، تُعد امتداداً لمسار الحوار الذي أطلقته البعثة الأممية منذ أغسطس 2025، ضمن جهود متواصلة لبناء مستقبل سياسي مستقر في ليبيا.

وأضاف أن هذه اللقاءات يُتوقع أن تسهم في معالجة عدد من النقاط الخلافية التي عجزت لجنة “6+6” عن حسمها، خاصة ما يتعلق بالنصوص الدستورية والقوانين الانتخابية. مشيراً إلى أن مخرجات اللجنة الاستشارية والخارطة المقترحة تركز على ضرورة التوافق حول الإطار الدستوري والتشريعي قبل الذهاب إلى أي استحقاق انتخابي، مؤكداً أن أي حل “ليبي – ليبي” يجب أن تسبقه تسوية سياسية شاملة، تتناول قضايا جوهرية مثل شكل نظام الحكم، وآليات الحكم المحلي، وتوزيع الموارد بين الأقاليم، باعتبارها من أبرز أسباب النزاع.

وفي السياق ذاته، شدد حذيفة على أهمية إبرام تسوية عسكرية موازية، تتضمن اتفاق سلام بين الأطراف المتنازعة، لافتاً إلى أن ليبيا شهدت منذ عام 2011 سلسلة من النزاعات المسلحة التي لا يمكن تجاوز آثارها دون معالجة حقيقية تضمن العدالة وعدم تكرار الانتهاكات.

وبيّن أن الضغوط الدولية، بما فيها المواقف الأمريكية الداعمة لمسار البعثة الأممية، تمثل عاملاً مساعداً للدفع نحو حل سلمي، لكنه أشار إلى تعدد الأطراف الدولية المتدخلة في الشأن الليبي، والتي تتجاوز عشر دول، ولكل منها مصالحها الخاصة، ما يجعل من الضروري أن يستند أي اتفاق إلى تسوية وطنية تضمن حقوق الليبيين.

واعتبر حذيفة، أن الجهود الحالية، بما فيها المسار الأممي، تُعد استكمالاً لعمل اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، متوقعاً صدور نتائج هذا الحوار خلال الفترة القريبة، وربما خلال شهر، معتبراً ذلك من المؤشرات الإيجابية.

وفيما يتعلق بآلية الحل، شدد على ضرورة إعادة الشرعية إلى الشعب الليبي عبر الاستفتاء على أي اتفاقات يتم التوصل إليها، سواء كانت سياسية أو دستورية، مؤكداً أن إشراك المواطنين في اتخاذ القرار يمثل الضمان الحقيقي لنجاح أي تسوية. لافتاً إلى أن البعثة الأممية حاولت بالفعل توسيع دائرة المشاركة من خلال استطلاعات الرأي ومنصات الشباب والمرأة.

كما انتقد حذيفة المسارات السابقة للحوار، مثل حوارات تونس وجنيف والصخيرات، معتبراً أنها انحرفت عن هدفها الأساسي المتمثل في إنهاء المرحلة الانتقالية، وانحصرت في مسألة تشكيل السلطة التنفيذية، وهو ما ساهم في تعميق الانقسام. مبيناً أن اللجنة الاستشارية عارضت بدورها تشكيل سلطة تنفيذية قبل إنجاز التسوية الشاملة.

وتابع: بعض النقاط الخلافية في مشروع الدستور لعام 2017، إضافة إلى مواد في القوانين الانتخابية، لا تزال تعيق التوافق السياسي، داعياً إلى تعديلها بالتوافق بين الأطراف المعنية، بما يمهد لإجراء استفتاء شعبي طال انتظاره منذ سنوات.

واكد على أن تجاوز هذه الخلافات سيشكل إنجازاً مهماً في مسار الاستقرار، ويفتح الطريق أمام إنهاء المراحل الانتقالية والوصول إلى دولة مستقرة قائمة على الشرعية الشعبية.

وأضاف حذيفة أن المرحلة الحالية تشهد تحركاً دولياً ومحلياً متزايداً باتجاه إعادة تشكيل العملية السياسية، مشيراً إلى أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2819 للعام “2026”، الذي مدد ولاية فريق الخبراء ونظام العقوبات المفروضة على ليبيا يعكس – بحسب تعبيره – إدراكاً بأن الوضع القائم في البلاد م يعد قابلاً للاستمرار، ما يستدعي الدفع نحو حلول سياسية شاملة تعالج جوهر الأزمة.

وأوضح حذيفة أن مسار “الحوار المهيكل” يمضي عبر أربع مسارات رئيسية، ويعمل على إعداد وثائق تعتبر أساسية للخروج من حالة الانسداد السياسي الليبي، لافتاً إلى أن هذا المسار يُنظر إليه كمدخل للوصول إلى تسوية شاملة، وليس مجرد إعادة صياغة لتقاسم السلطة كما حدث في اتفاقات سابقة، من بينها اتفاق جنيف.

وأردف: أن المرحلة الحالية مرّت بعدة خطوات تمهيدية، بدءاً من اللجنة الاستشارية التي وصفها بأنها كانت أولى اللبنات في مسار الحوار، مروراً بلجنة الحوار المهيكل، بالتوازي مع اجتماعات دولية متواصلة في إطار “مسار برلين” الذي يضم مجموعة من الدول الفاعلة دولياً، إلى جانب لقاءات ثنائية بين الأطراف الليبية شرقاً وغرباً.

وفي هذا السياق، شدد حذيفة على أن الحلول في ليبيا لا يمكن أن تتحقق إلا عبر أحد خيارين: إما الحسم العسكري بالقوة، أو التوصل إلى اتفاق سياسي عبر طاولة الحوار، معتبراً أن الخيار الثاني هو الأكثر واقعية وإمكانية لتفادي مزيد من التصعيد. وانتقد في الوقت نفسه بعض الخطابات السياسية التي تضع المسؤولية الكاملة على أطراف دولية بعينها، قائلاً إن الأزمة الليبية تحتاج بالأساس إلى إرادة وطنية داخلية، وإلى الاحتكام لإرادة الشعب الليبي، بعيداً عما وصفه بالخطابات المتناقضة حول التدخل الخارجي.

كما تطرق إلى أداء المؤسسات السياسية القائمة، مشيراً إلى وجود تعطيل في دور مجلسي النواب والأعلى للدولة، معرباً عن تأييده لما وصفه بـ “الخيار الرابع” الذي طُرح داخل اللجنة الاستشارية، والقائم على استبعاد الأجسام السياسية الحالية وتشكيل مجلس تأسيسي جديد يستمد شرعيته من استفتاء شعبي شامل.

وانتقد حذيفة غياب رؤية واضحة لبعض المبادرات السياسية المطروحة، معتبراً أنها تفتقر إلى وثائق أو خارطة طريق محددة، وهو ما يقلل من جدّيتها وجدواها في حل الأزمة.

وفي حديثه عن دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، رأى حذيفة أنها تمثل أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي، بل وتلعب دوراً محورياً في تمرير أي تسويات سياسية، مشيراً إلى أن أي اتفاق لا يمكن أن يكتسب الشرعية أو التنفيذ إلا عبرها وضمن إطار مجلس الأمن.

واستعرض في هذا السياق مهام البعثة الأممية، والتي تشمل دعم الاستقرار، وتعزيز سيادة القانون، والمساهمة في المصالحة الوطنية، وتطوير المؤسسات، وحماية حقوق الإنسان، إضافة إلى دعم التعافي الاقتصادي. غير أنه وجّه انتقادات حادة لطريقة إدارة العملية السياسية، معتبراً أن البعثة لعبت دوراً مؤثراً في تشكيل بعض ملامح السلطة السياسية خلال السنوات الماضية، وهو ما اعتبره سبباً في استمرار تعقيد المشهد، على حد وصفه.

كما أشار إلى أن ليبيا لا تزال تصنّف ضمن الدول المهددة للأمن والسلم الدوليين، وهو ما يعزز – بحسب رأيه – استمرار الدور الأممي في إدارة المسار السياسي.

وفي ختام حديثه، شدد حذيفة على أن الحل في ليبيا يحتاج إلى وجود وسيط دولي في ظل غياب طرف وطني قادر على إدارة التفاوض بين الأطراف المتنازعة، مشيراً إلى عدم وجود نموذج محلي مشابه لما حدث في دول أخرى تولت فيها مؤسسات وطنية قيادة المرحلة الانتقالية. منوهاً إلى أن أي تسوية قادمة لن تمر دون موافقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، باعتبار أن أي تغيير في بنية السلطة السياسية في ليبيا يتطلب غطاءً دولياً شبيهاً بما حدث في اتفاق الصخيرات عام 2015، الذي لا يزال يشكل الإطار الحاكم للسلطة التنفيذية الحالية.

كما استبعد حذيفة فكرة “دمج السلطات التنفيذية” بين الأطراف الليبية، معتبراً أنها غير واقعية وغير مقبولة محلياً ودولياً، مرجحاً بدلاً من ذلك الذهاب نحو تشكيل سلطة تنفيذية جديدة كاملة الصلاحيات، وليس مجرد حكومة توافقية محدودة المهام.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى