ليبيا

المرداس: المبادرة الأمريكية تمضي في مسار تصاعدي والرافضون خارج التأثير

أكد الدبلوماسي والسفير الليبي السابق محمد المرداس، أن المبادرة الأمريكية المطروحة لتسوية الأزمة السياسية في ليبيا تسير في مسار تصاعدي وثابت، مشيرًا إلى أنها أشبه بـ “قطار متحرك” يتيح الفرصة لمن يرغب في الصعود إليه، في حين لن يكون لمن يتخلف عنه أي تأثير فعلي في رسم مخرجاته أو توجيه مساره.

وأوضح المرداس، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، أن الاعتراضات الحالية على المبادرة ليست جديدة في المشهد الليبي، بل هي امتداد لمواقف سياسية سابقة تعود إلى عام 2014 وما أعقبها من تطورات، لافتًا إلى أن رفض نتائج الانتخابات البرلمانية آنذاك كان من بين الأسباب التي قادت إلى اندلاع عملية “فجر ليبيا” وما ترتب عليها من تعميق الانقسام السياسي والمؤسساتي في البلاد.

وأضاف أن التيار ذاته، الذي يرفع اليوم شعار دعم الانتخابات البرلمانية، كان من أبرز الأطراف التي عرقلت هذا المسار في السابق، كما ساهم – بحسب تعبيره – في بروز حكومات موازية، من بينها حكومتا عمر الحاسي وخليفة الغويل، وهو ما أدى إلى تفكك بنية الدولة وتعدد مراكز القرار.

وفي السياق نفسه، أشار المرداس إلى أن تصاعد الخطاب الرافض للمبادرة الأمريكية في المرحلة الحالية يعود إلى تراجع هذا التيار سياسيًا، وعدم امتلاكه بدائل عملية أو شخصيات قادرة على المنافسة، موضحًا أن محاولات إعادة طرح فكرة الانتخابات تأتي في إطار إعادة التموضع السياسي وليس كخيار متكامل للحل.

كما لفت إلى أن بعض الأطراف التي كانت تُحسب سابقًا على هذا التيار، ومن بينها تركيا، أصبحت اليوم منخرطة في دعم المبادرة الجارية، وهو ما خلق حالة من الارتباك داخل بعض الدوائر السياسية والدينية، مشيرًا إلى مواقف المفتي المعزول الصادق الغرياني بوصفها مثالًا على هذا التباين.

وأضاف أن تيارات سياسية متعددة، بما فيها تيار الإخوان المسلمين، عادت إلى التقارب والتنسيق في مواجهة المبادرة، رغم اختلاف مواقفها في مراحل سابقة، معتبرًا أن هذا التقارب جاء مصحوبًا بتصعيد إعلامي وسياسي ضد المسار القائم. وفي المقابل، شدد المرداس، على أن شخصيات مثل القائد العام المشير خليفة حفتر، ونائبه الفريق صدام حفتر تمثل واقعًا سياسيًا وعسكريًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية أو استحقاق انتخابي قادم.

وأكد المرداس أن ما يُروج له حول كون المبادرة “أمريكية خالصة” غير دقيق، موضحًا أنها مبادرة ليبية في الأصل، حظيت بدعم دولي لاحق، وتهدف إلى توحيد المؤسسات السيادية، بما في ذلك السلطة التنفيذية والمجالس التشريعية، بعد سنوات من الانقسام المؤسساتي.

وبيّن أن مسار التوحيد لم يبدأ اليوم، بل هو امتداد لجهود سابقة شملت لقاءات عسكرية وسياسية داخل ليبيا، من بينها اجتماعات في قاعدة معيتيقة وغيرها، هدفت إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس موحدة.

وفي جانب آخر من حديثه، انتقد المرداس ما وصفه بغياب الواقعية السياسية لدى بعض الأطراف، معتبرًا أن تعاملها مع الملفات الوطنية يتم من منظور غير عملي لا يراعي تعقيدات الواقع.

كما أشار إلى أن بعض التيارات، ومن بينها ما يُعرف بـ “تيار المفتي”، سبق أن عطلت مسارات متعددة، سواء في الانتخابات أو الاتفاقات السياسية، بهدف الحفاظ على النفوذ في ظل حالة الانقسام.

وأوضح أن هذه الأطراف، رغم وصولها إلى مواقع تنفيذية في فترات سابقة، لم تقدم حلولًا عملية للأزمة، مستشهدًا بتجارب إقليمية مماثلة في مصر وتونس والسودان، حيث لم تحقق التيارات ذات التوجهات المتشابهة الاستقرار المطلوب. واعتبر أن الخيارات المتاحة أمام هذه القوى باتت محدودة بين الانخراط في التسوية أو القبول بالمسار الانتخابي.

كما استعرض المرداس عددًا من المسارات السياسية السابقة، مثل اتفاق الصخيرات، والحوار السياسي في تونس وجنيف، إلى جانب ترتيبات وقف إطلاق النار ولجان “5+5” و”3+3″، معتبرًا أنها جاءت تحت ضغط الواقع السياسي والعسكري في ظل غياب توافق وطني شامل.

وانتقد استمرار بعض المؤسسات لفترات طويلة دون تجديد شرعيتها، مستشهداً بتجربة المؤتمر الوطني العام، معتبرًا أن بقاء نفس الوجوه السياسية لأكثر من عقد ونصف يشكل عائقًا أمام أي إصلاح حقيقي.

وفي هذا الإطار، دافع عن فكرة التفاهمات السياسية، رافضًا وصفها بـ “الصفقات المشبوهة”، مؤكدًا أن السياسة في جوهرها تقوم على التوافقات لا الصدام. وأوضح أن هذا النهج ليس محليًا فقط، بل معمول به في تجارب دولية كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وألمانيا، حيث تقوم العملية السياسية على “فن الممكن”>

وأشار إلى أن التفاهمات الجارية في ليبيا تستند إلى موازين قوى واقعية بين الأطراف الفاعلة، مؤكدًا أنه لا يمكن رفض أي مبادرة دون تقديم بديل عملي واضح. كما أضاف أن بعض التيارات، ومنها المرتبطة بالصادق الغرياني، تميل إلى التصعيد الرافض بهدف ضمان موقع داخل أي تسوية مستقبلية، رغم أنها سبق أن عارضت ثم شاركت في اتفاقات سابقة مثل الصخيرات.

وفي السياق الأمني، أعرب عن قلقه من استمرار حالة عدم الاستقرار في العاصمة طرابلس وتكرار الاشتباكات المسلحة، معتبرًا أن غياب مؤسسات أمنية موحدة وفاعلة يعرقل أي تسوية سياسية، ومؤكدًا أن الاستقرار الأمني يمثل شرطًا أساسيًا لإنجاح أي اتفاق سياسي. كما أشار إلى وجود صوت سياسي معتدل داخل العاصمة لا يحظى بالتمثيل الكافي، في ظل سيطرة الخطابات المتشددة، لافتًا إلى أن غالبية السكان تميل إلى الاستقرار ورفض العنف، رغم محدودية مشاركتهم السياسية العلنية.

وفي ختام حديثه، شدد المرداس على وجود فجوة بين الأجيال في ليبيا، موضحًا أن الجيل الجديد يتعامل مع الأزمة بمنظور مختلف يرفض الاستقطاب الحاد.

ودعا السفير السابق، إلى حماية الشباب من الانزلاق نحو العنف أو الصراعات السياسية، وإدماجهم في مؤسسات الدولة، معتبرًا أن الحل الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الدولة، وبناء مسار سياسي يقوم على الاستقرار والعدالة وتوحيد المؤسسات.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى