اخبار مميزةاقتصاد

معيوف: تهالك البنية التحتية وغياب الحوكمة يحدّان من زيادة إنتاج النفط الليبي

أكد الخبير النفطي، عبد الجليل معيوف، أن التساؤل حول إمكانية مساهمة ليبيا في سد جزء من الفجوة التي قد تنتج عن أي انسحاب محتمل لدولة الإمارات من تحالف “أوبك بلس”، يظل مطروحًا بقوة على طاولة النقاش، غير أنه يصطدم بواقع معقد تحكمه اعتبارات تتعلق بالإنتاج والاستقرار الداخلي والبنية التحتية.

وأوضح معيوف، في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته “الساعة 24″، أن الحديث عن تعويض دولة بحجم الإمارات العربية المتحدة ليس بالأمر السهل، إذ يتراوح إنتاجها النفطي بين 4 و5 ملايين برميل يوميًا، في حين لا يتجاوز الإنتاج الليبي، وفق أرقام شهر أبريل، نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، وهو ما يعكس فجوة إنتاجية كبيرة يصعب ردمها في المدى القريب أو المتوسط.

وأشار إلى أن تهالك البنية التحتية في الحقول والموانئ النفطية، إلى جانب غياب الحوكمة الفعالة داخل القطاع، يزيد من تعقيد المشهد، الأمر الذي يجعل خيار التعويض الكامل أو حتى الجزئي في الوقت الراهن غير واقعي من الناحية العملية.

ومع ذلك، لم يغفل معيوف الإشارة إلى أن النفط الليبي يمتلك مزايا تنافسية مهمة، من بينها الجودة العالية وانخفاض نسبة الكبريت، إضافة إلى القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنحه أفضلية نسبية في ظل التوقعات بارتفاع أسعار خام برنت خلال الفترة المقبلة.

وفي السياق ذاته، أوضح أن ليبيا، رغم ذلك، غير ملزمة بزيادة إنتاجها ضمن سياسات تحالف “أوبك بلس”، بالنظر إلى التذبذب الذي شهده إنتاجها خلال السنوات الماضية، في حين يظل الباب مفتوحًا من الناحية النظرية لرفع الإنتاج إلى مستويات قد تصل إلى مليوني برميل يوميًا أو أكثر، وإن كان تحقيق هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة في الوقت الحالي.

وانتقل معيوف للحديث عن التحولات في سوق الطاقة الأوروبية، مؤكدًا أنها تتيح فرصة حقيقية لليبيا، خاصة في ظل توجه أوروبا نحو تنويع مصادرها والاعتماد على موردين أقرب جغرافيًا وأقل تكلفة من الناحية اللوجستية.

كما بيّن أن الخامات الليبية، بفضل جودتها، تناسب إنتاج مشتقات استراتيجية مثل البنزين والكيروسين والنفط الخفيف، وهو ما يتماشى مع احتياجات المصافي الأوروبية، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن القرب الجغرافي يتيح وصول الناقلات خلال نحو 18 ساعة إلى جنوب أوروبا، دون الحاجة إلى المرور عبر قناة السويس أو مضيق هرمز، الأمر الذي يقلل من التكاليف والمخاطر التشغيلية.

ورغم هذه الميزات، شدد معيوف على أن تطوير القطاع النفطي يظل مسؤولية داخلية بالدرجة الأولى، خصوصًا في ظل التحديات المتمثلة في تهالك البنية التحتية وارتفاع تكاليف الاستثمار، موضحًا أن الإنتاج الحالي يدور في حدود 1.3 إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، في حين يعاني القطاع من تضخم وظيفي يصل إلى نحو 70 ألف عامل، رغم أن الحاجة الفعلية لا تتجاوز 30 إلى 40 ألف عامل، وهو ما ينعكس سلبًا على الكفاءة التشغيلية والتكاليف العامة.

وفي سياق متصل، أشار معيوف إلى دخول شركات نفطية عالمية كبرى مثل “شيفرون” و”كونوكو فيليبس”، إلى جانب “إيني وتوتال وريبسول”، إلى السوق الليبية، معتبرًا أن هذا الحضور يعكس أهمية ليبيا في خريطة الطاقة العالمية، لكنه في المقابل لفت إلى أن سوء الإدارة المتراكم لا يزال يمثل عائقًا رئيسيًا أمام تحقيق الاستفادة الكاملة من هذه الاستثمارات.

وأضاف أن جذور هذه الإشكالات تعود إلى عقود سابقة، حيث تأثرت إدارة القطاع بعوامل سياسية أدت إلى إقصاء الكفاءات، وهو ما استمر تأثيره حتى ما بعد ثورة 17 فبراير، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بجاذبية الاستثمار، أكد معيوف أن ليبيا يمكن أن تشكل فرصة استراتيجية كبرى للقوى العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة، غير أن ذلك يظل مشروطًا بوجود استقرار سياسي وأمني وتشريعي واضح يضمن حقوق المستثمرين ويقلل من المخاطر.

وفي سياق الاتفاقيات النفطية، أشار إلى أن عقود المشاركة في الاستكشاف والإنتاج (EPSA) تعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة التفاوض، لافتًا إلى أن ارتفاع حصة الشريك الأجنبي في بعض الحالات يثير تساؤلات حول إدارة هذه الملفات وتوازنها.

وبالانتقال إلى التوزيع الجغرافي للإنتاج، أوضح معيوف أن الحقول الواقعة في غرب ليبيا، مثل حقل الشرارة التابع لشركة “ريبسول”، تنتج نحو 300 ألف برميل يوميًا، بينما ينتج حقل “الفيل” التابع لشركة “إيني” حوالي 120 ألف برميل يوميًا.

في المقابل، تنتج حقول الشرق، مثل السرير ومسلة، ما بين 300 إلى 320 ألف برميل يوميًا، مع تسجيل استقرار أمني نسبي في تلك المناطق، ما يعزز فرص استمرار الإنتاج، رغم استمرار بعض التحديات في مناطق أخرى.

وعلى صعيد متصل، تطرق معيوف إلى ملف استهلاك المحروقات، موضحًا أن إنفاق نحو مليار دولار خلال شهر واحد فقط، أي ما يعادل ثلث الإيرادات تقريبًا، يعكس خللًا هيكليًا عميقًا في منظومة الطاقة والاقتصاد الوطني.

وبيّن أن ليبيا، رغم كونها دولة نفطية، لا تزال تستورد ما بين 70 إلى 75% من احتياجاتها من البنزين، بسبب ضعف قدرات التكرير، حيث لا تغطي المصافي المحلية سوى أقل من 30% من الطلب المحلي، وهو ما يفاقم الاعتماد على الخارج.

وبينّ أن فاتورة الاستيراد السنوية تراوحت بين 6 و7 مليارات دولار، في حين ساهمت عدة عوامل في تعميق الأزمة، من بينها زيادة عدد المركبات، وانخفاض أسعار الوقود محليًا، إلى جانب استمرار عمليات التهريب منذ عام 2012.

وحذّر معيوف من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ارتفاع الإنفاق السنوي على الوقود إلى نحو 12 مليار دولار، وهو ما يشكل ضغطًا كبيرًا على الميزانية العامة للدولة.

وفيما يتعلق بالحلول، شدد معيوف على أن رفع أسعار الوقود ليس حلًا جذريًا للمشكلة، مؤكدًا أن المعالجة الحقيقية تكمن في إنشاء مصافٍ جديدة قادرة على تغطية الطلب المحلي، رغم تعثر مشاريع سابقة، من بينها مشروع مصفاة طبرق الذي كان من الممكن أن يغطي نحو 90% من احتياجات السوق المحلية.

كما أشار إلى وجود شكاوى متكررة تتعلق بجودة الوقود المتداول في السوق، وهو ما يعكس خللًا إضافيًا في منظومة التوزيع والإمداد.

واختتم معيوف حديثه بالتأكيد على أن الأزمة الحالية في القطاع النفطي ليست نتيجة عامل واحد، بل هي حصيلة تداخل ضعف البنية التحتية مع سوء الإدارة وتراكم القرارات غير المدروسة، الأمر الذي أوصل القطاع إلى وضعه الراهن، مشددًا على أن الخروج من هذا الواقع يتطلب إصلاحًا جذريًا شاملاً يجمع بين تحديث المنشآت وإعادة هيكلة الإدارة، بما يضمن الاستفادة المثلى من الإمكانات النفطية المتاحة في ليبيا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى