اخبار مميزةليبيا

بالحاج: مستقبل عضوية ليبيا في أوبك مرتبط بالتحولات العميقة في سوق الطاقة العالمي

قال هادي بالحاج، أستاذ هندسة البترول والطاقة وعضو جمعية مهندسي النفط العالمية، إن مستقبل عضوية ليبيا في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة عالمياً، مشيراً إلى أن القضية لم تعد مجرد مسألة استغلال فرص، بل تحولت إلى إشكالية استراتيجية تمس المنظمة بأكملها وأعضاءها على حد سواء.

وأوضح بالحاج، في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته “الساعة24″، أن التساؤل الجوهري اليوم يتمثل في مدى جدوى استمرار عضوية ليبيا داخل أوبك، مؤكداً أنها بدأت بالفعل في إعادة تقييم هذه العضوية، ضمن دولٌ أخرى في المنظمة.

وأضاف أنه في حال شهدت “أوبك” في المستقبل تغيرات جوهرية أو انسحابات جديدة كما حدث في فترات سابقة مع بعض الدول، فإن ذلك يطرح تساؤلات مباشرة حول جدوى استمرار هذا التكتل بالشكل الحالي، لافتاً إلى أن أي تراجع إضافي في العضوية سيؤدي إلى إضعاف الوزن النسبي للمنظمة في سوق النفط العالمي.

وبيّن بالحاج، أن حصة “أوبك” من الإنتاج العالمي، في حال استمرار الانسحابات، قد تتراجع إلى نحو 25% بدلاً من حوالي 40% سابقاً، وهو ما يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لدورها وقدرتها على التأثير في السوق.

وشدد بالحاج، على ضرورة إعادة تقييم شامل للموقف العام للمنظمة، موضحاً أن “أوبك” تواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة، سواء على مستوى العلاقات بين الدول الأعضاء أو بفعل التداخلات السياسية التي تنعكس مباشرة على قرارات الإنتاج.

وأشار إلى أن أبرز هذه التحديات هو الخلافات السياسية بين فنزويلا والولايات المتحدة، إضافة إلى التوترات المرتبطة بإيران وعلاقاتها مع عدد من دول الخليج، وهو ما يجعل قرارات “الكوتا” أو حصص الإنتاج خاضعة في كثير من الأحيان للاعتبارات السياسية أكثر من الاقتصادية.

وأضاف أن نظام الحصص داخل “أوبك” يُستخدم عادة في حالات الطوارئ لضبط الأسعار أو احتوائها، ويتم من خلاله توزيع الإنتاج بين الدول الأعضاء وفق آليات تفاوضية دقيقة، إلا أن فعاليته باتت محل نقاش في ظل وجود دول منتجة خارج المنظمة تعمل دون أي قيود إنتاجية.

وأكد بالحاج، أن هذا التباين بين الدول الأعضاء وغير الأعضاء يقلل من قدرة أوبك على التحكم الكامل في السوق، ما يستدعي مراجعة شاملة لسياساتها الإنتاجية والتنظيمية.

وفي المقابل، أشار بالحاج، إلى أن النظرة المستقبلية تؤكد استمرار الطلب القوي على الطاقة على المدى الطويل، موضحاً أن هذا الطلب لن يكون محدوداً أو مؤقتاً، بل سيظل في تصاعد مستمر نتيجة عوامل متعددة، من بينها النمو السكاني العالمي، وزيادة الاستهلاك الصناعي، والتوسع التكنولوجي في الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا.

كما لفت إلى أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، بما في ذلك الحرب بين روسيا وأوكرانيا والتوترات في مضيق هرمز، إضافة إلى الصراعات الإقليمية، أثبتت أن الاعتماد على النفط سيستمر لفترة أطول مما كان متوقعاً في بعض الدراسات السابقة التي توقعت تراجع دوره بحلول عامي 2030 و2035.

وأوضح بالحاج، أن هذه التطورات أعادت ترتيب الأولويات العالمية، رغم الخطاب المتزايد حول التحول في مجال الطاقة، والابتعاد عن الوقود الأحفوري بدافع الاعتبارات البيئية وارتفاع درجات حرارة الأرض وانبعاثات الكربون، والتي كانت تتوقع تقليص الاعتماد على النفط بحلول عام 2050.

غير أن الواقع، بحسب قوله أثبت أن الحروب والأزمات الجيوسياسية تؤثر بشكل مباشر على سلاسل إمداد الطاقة، سواء النفط أو الغاز، ما يجعل عملية الاستغناء عن الوقود الأحفوري أكثر تعقيداً وتأجيلاً مما كان مخططاً له.

وفي سياق متصل، تطرق بالحاج، إلى سوق النفط الحالي، موضحاً أن ارتفاعات الأسعار الراهنة، والتي تجاوزت حاجز المئة دولار للبرميل وفق التقديرات، تُعد حالة ظرفية مرتبطة مباشرة بالأزمات العالمية، متسائلاً عن مدى إمكانية استمرار هذا المستوى حتى نهاية العام.

وبيّن أن ما يحدث حالياً يشبه إلى حد كبير أزمات سابقة مثل جائحة كورونا أو فترات الحروب، حيث تؤدي هذه الأحداث إلى ارتفاعات حادة ومؤقتة في الأسعار، قبل أن تعود لاحقاً إلى مستوياتها الطبيعية مع انتهاء الأسباب المؤدية لها.

وأكد بالحاج، أنه في حال انتهاء الأزمات الجيوسياسية الحالية، فإن السيناريو المرجح هو عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة، مشدداً على أن الطفرات السعرية عادة ما تكون مؤقتة وترتبط بشكل مباشر بتوازن العرض والطلب والاستقرار السياسي العالمي.

وفي المقابل، أوضح أن الاتجاه العام على المدى الطويل يظل صاعداً في أسعار الطاقة نتيجة عوامل هيكلية، أبرزها النمو السكاني وزيادة الطلب العالمي، لكنه أشار إلى أن هذا الاتجاه يتعرض لهزات مؤقتة بفعل الأزمات، قبل أن يعود إلى مساره الطبيعي.

وفي جانب آخر، شدد بالحاج، على أهمية استفادة ليبيا من فترات ارتفاع الأسعار، ليس فقط من الناحية المالية قصيرة المدى، بل من خلال بناء سياسات اقتصادية أكثر استدامة داخل قطاع النفط، تعتمد على خفض التكلفة وتحسين الكفاءة التشغيلية.

وانتقد في هذا الإطار بعض الممارسات الإدارية داخل القطاع النفطي في البلاد، موضحاً أن الاعتماد على الولاءات بدلاً من الكفاءات، خاصة في المراحل التي سبقت عام 1980 وما تلاها، ثم بعد عام 2011، انعكس سلباً على كفاءة التشغيل والإنتاج.

ولفت بالحاج، إلى أن المرحلة التي أعقبت 1980 شهدت تحولات إدارية داخل المؤسسات النفطية، حيث طغت الاعتبارات غير الفنية في بعض الفترات، ما أدى إلى تراجع دور الكفاءات، وهي إشكالية تفاقمت لاحقاً.

وأكد أن الحل يكمن في العودة إلى “عقلية الشركة” القائمة على الكفاءة والتكلفة والرقم، بحيث تُدار صناعة النفط بمنطق اقتصادي دقيق يوازن بين الإيرادات والمصروفات، ويقلل من الهدر الإداري والمالي.

وبينّ أن أي ارتفاع في أسعار النفط يجب أن يقابله تحسين في الكفاءة التشغيلية، وليس مجرد زيادة في الإيرادات، مشدداً على أن خفض التكلفة يمثل عنصراً أساسياً لتعظيم الاستفادة من الطفرات السعرية.

وفي حديثه عن مستقبل الأسعار، أوضح بالحاج، أن الارتفاع الحالي لن يستمر بنفس الوتيرة، مرجحاً أن يشهد السوق انخفاضاً تدريجياً بعد انتهاء الأزمات الجيوسياسية، سواء المرتبطة بالحروب أو التوترات الدولية.

وقال إن الأسواق تتفاعل عادة بشكل مباشر مع الأحداث الكبرى مثل الحروب والأوبئة، لكنها تستقر لاحقاً عندما تعود الظروف إلى طبيعتها، مشيراً إلى أن السيناريو المتوقع هو عودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية بعد زوال أسباب الارتفاع.

واختتم بالحاج، بالتأكيد على أن الطفرات السعرية، رغم تأثيرها القوي، تظل مؤقتة، بينما يبقى الاتجاه العام للسوق مرتبطاً بعوامل هيكلية طويلة الأمد، داعياً إلى ضرورة تبني سياسات مرنة واستباقية داخل قطاع الطاقة الليبي لمواكبة هذه التحولات العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى