أمطيريد: المبادرة الأمريكية للسلام تمثل خطوات إيجابية وتعكس توجها جديدا

قال المحلل السياسي، محمد أمطيريد، إن التحركات الدولية الأخيرة بشأن الملف الليبي، وعلى رأسها المبادرة الأمريكية للسلام، تمثل خطوات إيجابية ساهمت في تسريع وتيرة التطورات السياسية والأمنية على الأرض، مؤكداً أن ما يجري حالياً يعكس توجهاً دولياً جديداً يقوم على التعامل مع الأطراف الفاعلة والقادرة على تنفيذ التفاهمات، بعيداً عن الأجسام السياسية التقليدية التي عطلت المسارات السابقة.
وأوضح أمطيريد، في حديث لقناة “فرانس 24″، رصدته “الساعة 24″، أن الاجتماعات التي احتضنتها العاصمة الإيطالية روما، إلى جانب ما شهده المسار الاقتصادي من تطورات، تعكس مؤشرات واضحة نحو الدفع باتجاه قدر من الوحدة، لافتاً إلى أن إنهاء أزمة الملف المالي، الذي ظل معلقاً لما يقارب 13 عاماً، يعد تحولاً مهماً في المشهد الليبي.
كما أشار إلى المناورات العسكرية التي شهدتها مدينة سرت، برعاية القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، إضافة إلى مشاركة قوات القيادة العامة وأخرى من الغرب ضمن مناورات “فلينتلوك 2026″، معتبراً أن هذه التحركات العسكرية والأمنية تمثل تطوراً غير مسبوق في ليبيا.
وفي حديثه عن لجنة “4+4” التي عقدت اجتماعاتها في روما، شدد أمطيريد، على أن المشاركين فيها لا يمثلون بشكل مباشر مجلسي النواب أو الدولة، وإنما يمثلون الجهات التي قامت بترشيحهم، موضحاً أن حكومة الدبيبة، اختارت ممثليها بصورة واضحة، الأمر الذي يعكس توجهاً من البعثة الأممية نحو تبني المبادرة الأمريكية والعمل على استكمال مسارات سبق أن تعثرت بسبب خلافات مجلسي النواب والأعلى للدولة.
وأضاف أن البعثة الأممية باتت تتجه نحو التعامل مع “الأجسام القادرة والفاعلة على الأرض”، موضحاً أن التركيز أصبح منصباً على القيادة العامة في شرق ليبيا، وحكومة الوحدة الوطنية في الغرب، وهو ما يعني عملياً تجاوز بعض الأجسام السياسية التي عرقلت المبادرات والحوارات السابقة.
وأكد أمطيريد، أن الولايات المتحدة تبدو مصممة على إشراك الأطراف القادرة فعلياً على تنفيذ أي اتفاق سياسي، خاصة بعد فشل المجلسين في تنفيذ التفاهمات السابقة بينهما.
وفي سياق متصل، أشار أمطيريد، إلى وجود تناقض في المواقف المتعلقة بتمثيل أعضاء مجلس الدولة الاستشاري، داخل لجنة “4+4″، موضحاً أن بعض الأطراف نفت في البداية تمثيل هؤلاء للمجلس، قبل أن تعود وتؤكد أنهم لم يُرشحوا رسمياً.
كما تطرق إلى لجنة “6+6” الخاصة بإعداد القوانين الانتخابية، مبيناً أنها تمكنت بالفعل من إنجاز القوانين ونشرها في الجريدة الرسمية التابعة لمجلس النواب، إلا أن مجلس الدولة رفض تلك المخرجات، ما أدى إلى انهيار التوافق وعودة الانقسام السياسي مجدداً.
ولفت إلى أن عدداً من أعضاء مجلس الدولة انسحبوا آنذاك من الاتفاق واعترضوا على نتائجه، الأمر الذي كشف فشل التفاهمات السابقة في تحقيق أهدافها السياسية.
وفيما يتعلق بالمشهد التنفيذي، اعتبر أمطيريد، أن رئيس الحكومة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، اتجه إلى تجاوز المجلس الرئاسي وبعض حلفائه السابقين بمجلس الدولة، في إطار سعيه للبقاء ضمن الترتيبات السياسية المقبلة التي تدفع بها المبادرة الأمريكية.
وأشار إلى أن الدبيبة بات أمام خيارين، إما الانخراط في المسار السياسي الجديد الذي تفرضه التحركات الأمريكية، أو مغادرة المشهد لصالح تشكيل حكومة جديدة، وهو ما دفعه إلى تقديم تنازلات سياسية تتعلق بعلاقاته مع بعض المؤسسات والأجسام القائمة.
وفي ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، اعتبر أمطيريد، أن مجلسي النواب والدولة فشلا، على مدى الأشهر الثمانية الماضية، في التوصل إلى اتفاق بشأن تغيير رئيس المفوضية، رغم تشكيل لجنة مشتركة بينهما لمناقشة هذا الملف.
وأردف: أن البعثة الأممية منحت اللجنة مُهل زمنية متتالية، بدأت بعشرة أيام ثم مُددت لعشرة أيام أخرى قبل أن تصل إلى عشرين يوماً، إلا أن كل تلك الفرص انتهت دون تحقيق أي تقدم فعلي، ما يعكس عمق الأزمة السياسية وحالة التعطيل المستمرة.
وأكد أمطيريد، أن الحديث عن احترام الإجراءات القانونية والمؤسساتية يصبح منطقياً فقط عندما تعمل مؤسسات الدولة بصورة طبيعية وتحت مظلة الدستور والقانون، إلا أن الواقع الليبي مختلف، إذ إن الأجسام السياسية الحالية اكتسبت شرعيتها أساساً عبر اتفاقات دولية بدأت من اتفاق الصخيرات ووصلت إلى مخرجات جنيف.
ورأى أن أي مبادرة دولية جديدة تواجه عادة اعتراضات من القوى السياسية القائمة بهدف الحفاظ على مواقع النفوذ وإعادة التموضع داخل السلطة، مشيراً إلى أن ذلك أصبح سلوكاً متكرراً خلال السنوات الماضية.
وفيما يخص الاتفاق المالي الأخير، تساءل أمطيريد، عمّا إذا كان بالإمكان اعتباره بالفعل نهاية للانقسام المالي في ليبيا، أم أن الاختبار الحقيقي سيبقى مرتبطاً بآليات التنفيذ على أرض الواقع. مبيناً أن الانقسام المالي يقوم عملياً على أربعة أبواب رئيسية، أولها ملف المرتبات الذي يخضع مباشرة لإدارة مصرف ليبيا المركزي، ولا تستطيع أي من الحكومتين التدخل فيه بشكل مباشر. أما الباب الثاني فيتعلق بالخدمات العامة، وهو أيضاً مرتبط بالمصرف المركزي ووزارتي المالية في الشرق والغرب، في حين تبقى النقطة الأهم مرتبطة بآلية توزيع الأموال وتقاسم الإيرادات.
وأشار أمطيريد، إلى أن اللجنة المعنية بالملف المالي، والتي اجتمعت في تونس، توصلت إلى اتفاق يقضي بتخصيص 20% من الأموال للشرق و20% للغرب، بما يمنح حكومة حماد وحكومة الدبيبة حصصاً مالية منفصلة، الأمر الذي يعني عملياً فصل المسؤوليات المالية بين الحكومتين.
وأضاف أن هذا الترتيب قد يقلل من فرص النزاع حول الإنفاق، لأن كل حكومة ستتولى إدارة الميزانية المخصصة لها، متسائلاً في المقابل عن مفهوم “الوحدة المالية” التي تحدث عنها الدبيبة، في ظل استمرار وجود وزارتَي مالية وإدارة منفصلة للموارد.
وتابع أمطيريد، حديث الدبيبة عن وجود وزارة مالية موحدة تعمل تحت إشراف مصرف ليبيا المركزي لا يعكس وجود وحدة مالية حقيقية على الأرض، معتبراً أن الانقسام لا يزال قائماً وإن جرى تنظيمه بطريقة مختلفة.
وفي الجانب السياسي، اعتبر أمطيريد، أن حديث الدبيبة عن حكومة موحدة مدمجة يرتبط بمسار سياسي لم يكتمل بعد ضمن إطار المبادرة الأمريكية، مشيراً إلى أن الواقع الحالي ما يزال قائماً على وجود حكومتين، واحدة في الشرق وأخرى في الغرب.
كما لفت إلى أن تصريحات الدبيبة الأخيرة تعكس تصوراً لما ستكون عليه المرحلة المقبلة أكثر مما تعبر عن الوضع القائم حالياً، منوهاً إلى أن حكومة الوحدة المؤقتة تتحدث وكأنها ستكون الجهة المشرفة مستقبلاً على توزيع الأموال بين الشرق والغرب.
وأضاف أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشكيل حكومة موحدة جديدة ومجلس رئاسي جديد، مع احتمالية تعيين شخصية أخرى لرئاسة الحكومة بدلاً من الدبيبة، في إطار تفاهمات سياسية يجري إعدادها بعيداً عن الأضواء.
وفي حديثه عن الشرعية السياسية، أكد أمطيريد، أن التحدي الأكبر الذي يواجه ليبيا يتمثل في توحيد المصالح المتضاربة بين مختلف الأطراف السياسية والعسكرية، مشيراً إلى أن الطرف الذي يمتلك الشرعية هو الأحق بقيادة وإدارة المرحلة المقبلة.
واستطرد: الأزمة الليبية أصبحت أكثر تعقيداً بسبب تعدد الأطراف المتصارعة وارتباط بعض القوى السياسية بتشكيلات مسلحة، مستشهداً بالتطورات الأمنية التي شهدتها مدينة صرمان مؤخراً، والتي تعكس حجم التحديات الميدانية القائمة.
كما اعتبر أمطيريد، أن الاتفاق المالي الأخير لم يُعلن عبر مجلسي النواب أو الدولة، بل جرى الإعلان عنه في تونس وبدأ تنفيذه عملياً، ما يؤكد أن كثيراً من التفاهمات الحالية تتم إدارتها بعيداً عن المؤسسات السياسية التقليدية.
وأشار إلى أن الاتفاق المالي، وكذلك الاتفاق العسكري والأمني الذي أُعلن عنه في سرت، تم العمل عليهما في الكواليس قبل الإعلان الرسمي عنهما، معتبراً أن الملف السياسي يبقى الحلقة الأخيرة التي لم تُحسم بعد.
واعتبر أمطيريد، أن المؤشرات الحالية توحي بأن الحكومة المقبلة ستكون صاحبة السلطة الفعلية في إدارة الملفين المالي والسياسي، مرجحاً أن تشهد المرحلة القادمة انتهاء دور عدد من الأجسام السياسية الحالية، بما في ذلك مجلسي النواب والدولة والمجلس الرئاسي.
وفي معرض رده على المخاوف المتعلقة بإمكانية تمرد بعض الأطراف المستبعدة وإفشال أي اتفاق سياسي جديد، قال أمطيريد إنه لا يتوقع حدوث ذلك، موضحاً أن القيادة العامة في شرق ليبيا قادرة على إدارة الأوضاع في الشرق والجنوب، بينما يبقى التحدي الأساسي أمام الدبيبة في كيفية فرض سلطته على التشكيلات المسلحة في الغرب الليبي.
ورأى أن مجلسي النواب والدولة فقدا فعلياً فاعليتهما السياسية، مشيراً إلى أن اتفاق الصخيرات لم يمنحهما صلاحيات واسعة، وأن استمرار وجودهما جاء نتيجة الظروف السياسية التي مرت بها البلاد، رغم فشل تجارب جنيف وتونس وغيرها من المبادرات السابقة. كما أوضح أمطيريد، أن الشرعية القانونية لحكومة الدبيبة انتهت منذ أغسطس 2021 بعد سحب الثقة منها من قبل مجلس النواب، إلا أن الحكومة استمرت في ممارسة مهامها.
وبين كذلك أن الخلافات داخل مجلس الدولة تفاقمت بعد إقالة خالد المشري، الذي كان قريباً من التوصل إلى تفاهمات مع رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح لحل الأزمة الليبية، قبل أن يرفض المجلس تلك التفاهمات ويتم تعيين محمد تكالة.
وختم أمطيريد، تصريحاته بالتأكيد على أن الشارع الليبي بات يشعر بحالة من الإرهاق من استمرار الوجوه والأجسام السياسية ذاتها في المشهد، داعياً إلى منح فرصة للمبادرات الجديدة أملاً في إنهاء سنوات الانقسام والأزمات المتتالية.









