المرعاش: لقاء الفريق صدام وأردوغان يعكس تحولاً في علاقة القيادة العامة بتركيا
قال المحلل السياسي، كامل المرعاش، إن اللقاءات الأخيرة التي جمعت نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول ركن صدام حفتر، بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقيادات وزارة الدفاع التركية، تمثل تحولاً مهماً في طبيعة العلاقة بين القيادة العامة وأنقرة بعد سنوات من التباعد السياسي والعسكري.
وأضاف المرعاش، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أن هذه التطورات يمكن قراءتها من عدة زوايا، أبرزها ما وصفه بـ«النجاح السياسي والدبلوماسي» الذي حققه الفريق صدام حفتر خلال الفترة الماضية عبر قيادة مسارات الانفتاح على الدول المؤثرة في الملف الليبي.
وأوضح أن الفريق صدام حفتر أثبت قدرته كمفاوض بارع ورجل دبلوماسية رغم خلفيته العسكرية، مشيراً إلى أن التحركات التي قادها خلال العامين الأخيرين ساهمت في فتح قنوات تواصل مع أطراف إقليمية ودولية كانت تُصنف سابقاً ضمن الأطراف ذات التأثير السلبي على الأزمة الليبية.
وأضاف أن هذه التحركات ساعدت في “تحييد عدد من الدول المؤثرة” وتهيئة مسارات جديدة يمكن أن تساهم في الوصول إلى تسوية شاملة للأزمة الليبية وتوحيد المؤسسات. وأشار إلى أن المصافحة بين الفريق صدام حفتر والرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحمل “دلالات سياسية كبيرة”، معتبراً أنها تمثل تحولاً لافتاً في المشهد الليبي والإقليمي ورسالة مباشرة للأطراف التي كانت ترفض أي تقارب بين القيادة العامة وأنقرة.
وقال إن “الصورة كانت أبلغ من أي تصريحات”، مضيفاً أن الأطراف التي كانت تبني مواقفها السياسية على حالة القطيعة بين الجانبين أصبحت اليوم أمام واقع سياسي جديد يفرض إعادة قراءة المشهد. وأكد أن مسألة الاعتراف بثقل القيادة العامة للقوات المسلحة، في المشهد الليبي “تم تجاوزها عملياً”، مشيراً إلى وجود ما وصفه بـ “جسور متينة” بُنيت خلال العامين الماضيين بين شرق ليبيا وتركيا.
وبين أن الفريق صدام حفتر أجرى عدداً من الزيارات إلى تركيا، خلال الفترة الماضية، ما ساهم في بناء علاقات متقدمة على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية. ورأى أن التعاون بين الجانبين لم يعد مقتصراً على الجانب السياسي فقط، بل بات يشمل ملفات أمنية وعسكرية واقتصادية، مع إمكانية التوسع مستقبلاً نحو مجالات التصنيع العسكري والتعاون الاستراتيجي.
واعتبر المرعاش، أن أحد أبرز نتائج هذا الانفتاح يتمثل في تحييد تركيا داخل الأزمة الليبية وتحويلها إلى طرف إيجابي يمكن أن يساهم في دعم الاستقرار.
وفي رده على سؤال حول دوافع التقارب التركي مع القيادة العامة، أوضح المرعاش، أن المصالح الاقتصادية والعسكرية تمثل جزءاً مهماً من هذا التقارب، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن أنقرة باتت تدرك أن استقرار ليبيا لا يمكن تحقيقه دون التواصل مع جميع القوى الفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها القيادة العامة للقوات المسلحة.
وأكد أن تركيا أصبحت أكثر واقعية في مقاربة الملف الليبي، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد توسعاً أكبر في مسارات التعاون والتفاهم بين الجانبين بما يخدم استقرار البلاد وإعادة بناء مؤسساتها.
ولفت المرعاش، إلى أن التقارب المتسارع بين القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، وتركيا يقوم على مزيج من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة، معتبراً أن هذا التحول يمثل مرحلة جديدة في العلاقات الليبية التركية وقد ينعكس بشكل مباشر على مسار التسوية السياسية في البلاد.
واعتبر المحلل السياسي أن تركيا تُعد اليوم “الفاعل الاقتصادي الأول داخل السوق الليبي”، مشيراً إلى أن المنتجات التركية تستحوذ على ما بين 40 و50 بالمئة من حجم السوق المحلية، إلى جانب توسع كبير في مجالات البناء والتجارة والبنية التحتية.
وأردف: العلاقات الاقتصادية بين الجانبين شهدت نمواً ملحوظاً خلال الفترة الماضية، سواء في مجالات الإعمار أو التبادل التجاري أو تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية، مؤكداً أن هذا التقارب لم يعد مقتصراً على الجانب الاقتصادي فقط، بل بات يشمل أبعاداً استراتيجية أوسع.
وأضاف أن المتغيرات الإقليمية والدولية دفعت أنقرة إلى إعادة قراءة المشهد الليبي بصورة أكثر واقعية، لافتاً إلى أن تركيا باتت تدرك أن مصالحها الاستراتيجية يمكن أن تتحقق بالتوازي مع الحفاظ على المصالح العليا للدولة الليبية.
وأشار المرعاش، إلى أن هذا التحول في الموقف التركي ساهم في تعزيز فرص نجاح ما وصفها بـ “مبادرة بولس”، موضحاً أن التقارب مع القيادة العامة للقوات المسلحة سيؤدي إلى إضعاف الأصوات المعارضة لأي تسوية سياسية شاملة في ليبيا.
ورأى أن هذا التطور يضع ضغوطاً إضافية على رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب مواقف أكثر وضوحاً بشأن المبادرات السياسية المطروحة.
واعتبر أن محاولات بعض الأطراف البحث عن دعم خارجي لمواجهة التحولات الجديدة لم تحقق نتائج ملموسة، مشيراً إلى أن المشهد السياسي الليبي قد يشهد خلال المرحلة المقبلة إعادة ترتيب داخل السلطة التنفيذية، خاصة إذا تم المضي في تنفيذ المبادرات السياسية الخاصة بإعادة تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة.
من جهة ثانية ربط المرعاش، بين زيارة الفريق صدام حفتر إلى تركيا وتزامنها مع التحركات السياسية معتبراً بأنها جاءت في توقيت “مهم وحساس”، يتزامن مع اجتماعات لجنة “4+4″، التي قال إنها ستحدد ملامح المرحلة المقبلة وتناقش أبرز الملفات الخلافية، وفي مقدمتها ملف المجموعات المسلحة وآليات دمجها داخل المؤسسة العسكرية.
كما أشار إلى أن المباحثات الليبية التركية شملت ملفات الصناعات الدفاعية وتأمين الحدود، معتبراً أن ذلك قد يمهد لمرحلة جديدة من التعاون العسكري والتقني بين الجانبين.
وأوضح المرعاش، أن هذا التعاون يجري “بشكل متدرج ومدروس” في إطار حسابات سياسية وأمنية دقيقة، وبتوجيه مباشر من القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر. مؤكدا أن استمرار التعاون العسكري والاقتصادي بين ليبيا وتركيا يبقى مرتبطاً بتقدم المسار السياسي والوصول إلى تسوية شاملة تعيد للدولة الليبية سيادتها وتوحد مؤسساتها.
وأضاف أن نجاح المبادرات السياسية الحالية قد يفتح الباب أمام شراكات استراتيجية أوسع بين البلدين في مجالات الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والصناعات الدفاعية.
وفيما يتعلق بملف التنمية والإعمار، أوضح المرعاش، أن الشركات التركية بدأت بالفعل في توسيع نشاطها داخل ليبيا، خاصة في المنطقة الشرقية، مشيراً إلى وجود عدد متزايد من رجال الأعمال والمهندسين الأتراك العاملين في مشاريع البنية التحتية والإعمار.
وأضاف أن صندوق الإعمار والتنمية يشكل أحد أبرز المحركات الحالية لجذب الشركات التركية إلى السوق الليبية، لافتاً إلى أن بعض التقديرات تتوقع ارتفاع عدد العمال الأتراك في المنطقة الشرقية إلى أكثر من عشرة آلاف عامل خلال الأشهر المقبلة.
وختم المرعاش، حديثه بالتأكيد على أن نجاح المسار السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة سيؤديان إلى إطلاق مرحلة جديدة من التعاون الليبي التركي، تقوم على المصالح المشتركة والشراكة الاستراتيجية بعيداً عن أجواء الانقسام والصراع.









