احميد: فوضى السلاح والتشكيلات في غرب ليبيا تسيء لصورة الليبيين أمام العالم

أكد الصحفي والباحث السياسي إدريس احميد، أن الأحداث الأمنية المتواصلة في مدينة الزاوية باتت تعبرّ عن “أزمة مزمنة” تهدد الأمن والاستقرار في ليبيا والمنطقة الغربية تحديداً، مشيرًا إلى أن جذور هذه الأزمة تعود إلى فشل تنفيذ القرارات المتعلقة بحل التشكيلات المسلحة ونزع سلاحها عقب سقوط النظام السابق.
وأوضح احميد، في حديث لتلفزيون ” المسار”، رصدته “الساعة 24” أن التشكيلات المسلحة لم تكتفِ برفض تسليم أسلحتها، بل توسعت أيضًا وسيطرت على المشهدين السياسي والاقتصادي، معتبرًا أن ما تشهده المنطقة الغربية اليوم يمثل نموذجًا واضحًا للأزمة الليبية المستمرة منذ أكثر من عقد.
وأضاف، في السياق ذاته، أن ما يحدث في الزاوية “يمثل أزمة مسيئة لكل الليبيين أمام العالم”، خصوصًا بعد مرور نحو خمسة عشر عامًا من البحث عن تسوية سياسية، في حين ما تزال التشكيلات المسلحة تفرض نفوذها في العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية وترهب المدنيين.
وفي المقابل، أشار احميد إلى ما وصفه بـ “النموذج المهم” الذي قدمته القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد وجنوبها، من خلال القضاء على الإرهاب وتأمين الحدود والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الليبية، إلى جانب جهودها الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية.
وأكد احميد أن أي مسار سياسي أو تسوية مستقبلية لن يكون قابلًا للتنفيذ ما لم يتم حل ملف التشكيلات المسلحة، معتبرًا أن هذا الملف يمثل “العقبة الأكبر” أمام أي تسوية سياسية أو أمنية في ليبيا، في ظل استمرار انتشار السلاح خارج إطار الدولة.
وعلى صعيد متصل، شدد على أن استمرار هذه الأوضاع يضع المجتمع الدولي والبعثة الأممية أمام اختبار حقيقي لمدى جديتهم في دعم استقرار ليبيا، مؤكدًا أنه لا يمكن الحديث عن انتخابات أو تسوية سياسية في ظل وجود السلاح بهذه الصورة.
وأشار احميد إلى أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون لمعالجة الملف الأمني عبر إطلاق برنامج وطني لجمع السلاح وحل التشكيلات المسلحة، بالتوازي مع دعم أممي ودولي واضح لهذا التوجه، منتقدًا في الوقت ذاته تركيز الجهود على المسارات السياسية دون معالجة جذور الأزمة.
كما لفت إلى أن استمرار إطلاق النار والاشتباكات في بعض المدن، وعلى رأسها الزاوية، يعكس حجم الأزمة الأمنية، موضحًا أن بعض المجموعات المسلحة “لا تحمل أي صفة عسكرية شرعية”، رغم حصولها على دعم وتمويل من الحكومات المتعاقبة، في حين يتم تهميش المؤسسات العسكرية النظامية في المنطقة الغربية.
وفي السياق ذاته، شدد على أهمية مبادرة توحيد المؤسسة العسكرية، مبينًا أنها أثبتت وجود تنسيق بين العسكريين من مختلف المدن الليبية، غير أن ملف السلاح ما يزال يمثل العائق الرئيسي أمام استكمال هذا المسار. كما انتقد محاولات بعض الأطراف السياسية صرف الأنظار عن قضية التشكيلات المسلحة، معتبرًا أنها تمثل ـ بحسب تعبيره ـ “إهانة لليبيين” وتهديدًا مباشرًا لحياة المدنيين.
وأكد أن المؤسسة العسكرية النظامية ممثلة في القيادة العامة، تمثل “أنموذجاً حقيقياً” للاستقرار من خلال السيطرة على مساحات واسعة من البلاد وتأمين الحدود والثروات النفطية، وقادرة بالتالي على دعم العملية السياسية والانتخابات، مشددًا على أن استعادة الدولة تبدأ بفرض سلطة القانون وإنهاء ظاهرة السلاح خارج مؤسسات الدولة.
واعتبر احميد إن معالجة ملف التشكيلات المسلحة باتت ضرورة ملحة لإنهاء حالة الفوضى، مشيرًا إلى أن تجارب دولية عديدة نجحت في نزع السلاح عبر فرض العقوبات والضغوط الدولية. مبيناً أن المجتمع الدولي سبق أن مارس ضغوطًا على الأطراف المسلحة في ليبيا، مستشهدًا بما حدث عام 2014، معتبرًا أن ذلك يؤكد إمكانية فرض إجراءات أكثر صرامة إذا استمرت حالة الانفلات الأمني.
ودعا في هذا السياق التشكيلات المسلحة والشباب المنخرطين فيها إلى “العودة إلى ثقافة الدولة” وتسليم أسلحتهم، مؤكدًا أن الحل الداخلي يبقى أفضل من التدخلات الخارجية أو العقوبات.
وأوضح أن المرحلة الحالية، التي تتسم بتزايد الدعوات إلى المصالحة الوطنية، تتطلب من جميع الأطراف التجاوب مع مساعي التسوية، لافتًا إلى أن أبواب الانضمام إلى المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية ما تزال مفتوحة أمام الراغبين في الاندماج داخل الدولة.
كما شدد على أهمية إطلاق برامج وطنية لإعادة تأهيل ودمج الشباب المنخرطين في الصراعات المسلحة، موضحًا أن كثيرًا منهم بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي بعد سنوات من الحروب.
ورأى أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم عبر إرادة ليبية خالصة، ومن خلال الأطر القائمة مثل لجنة “5+5” والجهود الخاصة بتوحيد المؤسسة العسكرية، إضافة إلى الدور الذي تقوم به القيادة العامة.
وفيما يتعلق بالمبادرة الأمريكية للسلام، أوضح احميد أن نجاح أي مبادرة مرهون بوجود إرادة حقيقية للاستفادة من إخفاقات المراحل السابقة، مشيرًا إلى أن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية العديد من المؤتمرات والاتفاقات دون نتائج ملموسة.
وأضاف أن نجاح أي مسار سياسي يتطلب قبولًا شعبيًا واسعًا، مؤكدًا أن الشارع الليبي بات أكثر إدراكًا لضرورة إنهاء الفوضى والانقسام في ظل التدهور المعيشي وارتفاع معدلات الفقر.
واستشهد بتصريحات القائد العام المشير خليفة حفتر، التي أكد فيها أنه “لا ينبغي أن يكون هناك ليبي فقير”، معتبرًا أن الليبيين يستحقون العيش في استقرار ورفاهية بعيدًا عن الصراعات.
وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز خطاب التصالح والتهدئة، داعيًا إلى استثمار ما وصفه بـ “الفرصة المهمة” للدفع نحو حل سياسي شامل، وعدم الالتفات إلى الأصوات التي تسعى إلى عرقلة الاستقرار.
ووجه في ختام حديثه تحية إلى أهالي الزاوية والمنطقة الغربية، مؤكدًا أنهم “سئموا من استمرار حالة الفوضى وانتشار السلاح”، داعيًا السلطات والأطراف المعنية إلى التحرك الجاد لمنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهات أوسع. واختتم حديثه بالتأكيد على أن قطاعًا واسعًا من الليبيين بات يرفض استمرار هذه الجماعات المسلحة، متهمًا أطرافًا مستفيدة من حالة الفوضى بمحاولة عرقلة أي مسار يقود إلى استقرار ليبيا ووحدة مؤسساتها.









