الفلاح: القيادة العامة قدمت تنازلات مهمة في مسار التسوية السياسية وإنهاء الانقسام

اعتبر المحلل السياسي، علام الفلاح، أن الخلافات المرتبطة بالمسار الانتخابي، لا تزال تمثل إحدى أبرز العقبات أمام الوصول إلى تسوية سياسية شاملة في ليبيا، موضحاً أن القيادة العامة ومجلس النواب، كانا يدفعان باتجاه إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، قبل أن تؤدي ضغوط مارسها المجتمع الدولي وعدد من السفراء إلى القبول بإجراء انتخابات مجلس النواب أولاً، ثم استكمال الانتخابات الرئاسية في مرحلة لاحقة.
وأوضح الفلاح، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24” أن المبادرة الأمريكية للسلام المعروفة باسم “مبادرة بولس” لا تستهدف فرض حكم عسكري أو إنتاج سلطة استبدادية، بل تمثل مساراً توافقياً مرحلياً ينتهي بإجراء انتخابات عامة وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، مشيراً إلى أن القيادة العامة “قدمت تنازلات” من أجل الوصول إلى تسوية سياسية تنهي حالة الانقسام.
وأضاف أن المبادرة جاءت عقب سلسلة من اللقاءات والمشاورات التي أجراها المبعوثون الأمريكيون مع أطراف ليبية متعددة، شملت أكاديميين وسياسيين ومثقفين بالإضافة إلى مجلسي النواب والدولة والقيادة العامة والحكومات المتعاقبة، لافتاً إلى أن هذه الرؤية بُنيت على أفكار ومقترحات ليبية جرى تطويرها ضمن تصور أمريكي لإدارة الأزمة الليبية.
وأشار الفلاح، إلى أن جميع الأطراف الليبية تعلن رغبتها في توحيد الدولة وإنهاء حالة التشظي، غير أن الإشكالية الحقيقية تكمن في كيفية تنفيذ هذا التوحيد على أرض الواقع، مبيناً أن التجارب السابقة منذ حوار جنيف الأول، مروراً باتفاق الصخيرات، ثم جنيف الثاني أثبتت أن أي حلول لا تنطلق من القوى الفاعلة والمؤثرة ميدانياً تبقى عاجزة عن إنهاء الأزمة.
وأكد الفلاح، أن الحكومات التي تعاقبت على السلطة اصطدمت دائماً بالقوى المسيطرة أمنياً وعسكرياً، مستشهداً بما حدث مع حكومة الوفاق السابقة برئاسة فائز السراج، وكذلك حكومة عبد الحميد الدبيبة، معتبراً أن أي سلطة تنفيذية لا يمكنها فرض نفسها دون تفاهم مع القوى الموجودة على الأرض.
وفي حديثه عن الدور الأمريكي، رأى الفلاح، أن الولايات المتحدة “عندما تتدخل سياسياً غالباً ما تنتج حلولاً واستقراراً”، مشيراً إلى أن واشنطن نجحت في إدارة عدد من النزاعات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية عبر جمع الأطراف الفاعلة ضمن تسويات سياسية.
كما شدد على أن ليبيا تتجه نحو توحيد المؤسسة العسكرية، لكنه أقر بوجود مخاوف لدى بعض القوى في الغرب الليبي من هيمنة القيادة العامة، موضحاً أن طرابلس لا تضم “جيشاً بالمفهوم الاستراتيجي”، وإنما تشكيلات أمنية ومجموعات مسلحة نشأت بعد أحداث فبراير 2011م.
ورغم ذلك، أكد الفلاح، أن القيادة العامة للقوات المسلحة، ونائب القائد العام، الفريق صدام حفتر، توصلا إلى قناعة بضرورة جمع أبناء المؤسسة العسكرية داخل مؤسسة موحدة، موضحاً أن هذا المسار يجب أن يتم عبر حكومة موحدة ومجلس رئاسي موحد يقودان البلاد نحو الانتخابات، بحيث يتولى قائد أعلى شرعي للقوات المسلحة تنفيذ عملية التوحيد “بالقانون والدستور والشرعية الشعبية”.
ولفت الفلاح، إلى أن الهدف لا يتمثل في فرض الدمج بالقوة أو إخضاع الأطراف الأخرى عسكرياً، وإنما الوصول إلى عملية توحيد تدريجية تراعي المخاوف القائمة وتمنع خلق حالة جديدة من الصدام والانقسام.
وفي معرض رده على الانتقادات التي تصف المبادرة الأمريكية بأنها “صفقة لتقاسم النفوذ بين القوى المسيطرة على الأرض”، قال الفلاح، إن هذا الطرح يعكس وجهة نظر بعض الأطراف الرافضة لاستمرار القوى الحالية في المشهد السياسي، نافياً في الوقت نفسه صحة ما أثير بشأن وقوع خلافات حادة خلال اجتماعات تونس الأخيرة.
وبينّ إلى أنه تواصل مع أحد أعضاء لجنة “4+4” المشاركين في الاجتماعات، والذي نفى حدوث أي “سجال حاد” داخل اللقاءات، مرجحاً أن تكون بعض الوقائع قد جرى تضخيمها أو توظيفها سياسياً لإظهار الاجتماعات بصورة سلبية.
كما أوضح الفلاح، أن الدكتور الشيبياني أبو همود، لم يتحدث خلال الاجتماعات بصفته ممثلاً رسمياً عن القيادة العامة، بل باعتباره شخصية سياسية تقدم رؤيتها وتحليلاتها الخاصة.
واعتبر الفلاح، أن بعض التيارات السياسية لا تزال ترفض فكرة التزامن بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، معتبراً أن هذا الخلاف كان أحد أسباب تعثر الوصول إلى تسوية نهائية حتى الآن، مضيفاً أن الولايات المتحدة والبعثة الأممية ركزتا خلال المرحلة الأخيرة على ملفات توحيد الميزانية والمؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية، بينما تُرك ملفا الدستور والانتخابات للبعثة الدولية.
وأردف: أن قوانين الانتخابات تنص على ضرورة وجود حكومة موحدة وسلطة تنفيذية واحدة تشرف على العملية الانتخابية، معتبراً أن توحيد المؤسسات يمثل شرطاً أساسياً قبل الذهاب إلى أي استحقاق انتخابي.
وفي سياق حديثه عن المخاوف من عسكرة الدولة، شدد الفلاح، على أن السياسة “فن الممكن وليست عقيدة جامدة”، موضحاً أن التعامل مع الأزمة الليبية، يجب أن ينطلق من قراءة الواقع والتوازنات القائمة، وليس من الأحكام المسبقة أو المواقف الثابتة.
واعتبر أن القيادة العامة، ليست طرفاً يسعى للهيمنة، بل تعتبر نفسها جزءاً من مشروع وطني لإنهاء الانقسام، مشيراً إلى أن سلطات الشرق عملت خلال السنوات الماضية على فتح ملفات المصالحة الوطنية وإعادة الممتلكات لأصحابها وعودة عدد من الليبيين الذين غادروا البلاد خلال سنوات الحرب. مشيراً إلى أن بعض العائلات التي استعادت منازلها وأملاكها كانوا في السابق من أبرز المعارضين للقيادة العامة، بل إن بعضهم دعم القتال ضد قوات الكرامة خلال معارك بنغازي، ومع ذلك جرى التعامل معهم ضمن مسار المصالحة وإعادة الحقوق.
كما انتقد الفلاح، ما وصفه بـ “تيار التأزيم”، الذي يروّج لفكرة أن القيادة العامة تسعى للسيطرة المطلقة على الدولة، مؤكداً أن أي تسوية سياسية ستتم عبر مراحل تنتهي بالانتخابات والديمقراطية، وأن الحديث عن “حكم عائلي أو احتكار دائم للسلطة” لا يستند إلى وقائع حقيقية.
وشدد على أن القيادة العامة، قدمت تنازلات واضحة، من بينها القبول بتأجيل الانتخابات الرئاسية، وكذلك التنازل عن بعض المناطق التي تسيطر عليها إدارياً وأمنياً لصالح حكومة موحدة تشرف على كامل البلاد، متسائلاً عن مصلحة القيادة العامة في ذلك إذا كانت تسعى فقط للهيمنة.
كما دافع الفلاح، عن فكرة وجود “سلطة أمنية موحدة” وأجهزة تخضع للقانون، معتبراً أن الاشتباكات المتكررة في طرابلس والمنطقة الغربية، تعكس الحاجة إلى مؤسسات أمنية مستقرة ومنظمة، داعياً وسائل الإعلام والشخصيات السياسية إلى زيارة بنغازي والاطلاع على حجم التغيرات والاستقرار الذي شهدته المدينة خلال السنوات الأخيرة.
وأشار كذلك إلى أن عدداً من المستشارين والأكاديميين والسياسيين الداعمين للقيادة العامة شاركوا في بلورة هذا التوجه، الذي يهدف إلى تفكيك حالة الصراع والاستقطاب بين الليبيين، موضحاً أن مجلس النواب بدأ هذا المسار منذ عام 2015 عبر قرارات سمحت بعودة عدد من مؤيدي النظام السابق وإعادتهم إلى وظائفهم وصرف مستحقاتهم المالية.
ورأى الفلاح، أن هذا النهج يمثل توجهاً عاماً لدى مجلس النواب والقيادة العامة وقوى سياسية واجتماعية في الشرق والجنوب، لافتاً إلى أن بعض الشخصيات الموجودة حالياً في بنغازي كانت في السابق من أشد المعارضين وربما حملت السلاح ضد القيادة العامة، لكنها أصبحت اليوم جزءاً من مشروع المصالحة.
وفي جانب آخر من حديثه، شدد الفلاح، على أن المبادرة المطروحة تنتهي فعلياً بإجراء انتخابات عامة، موضحاً أن خارطة الطريق التي نوقشت تتضمن تشكيل حكومة موحدة ومجلس رئاسي جديد، ثم الذهاب إلى الانتخابات خلال فترة قد تمتد إلى عام أو أقل، مؤكداً أن الولايات المتحدة والأطراف السياسية المشاركة وافقت على هذا المسار.
كما اعتبر أن الأصوات الرافضة للتوافق تمثل “صوت نشاز” يعرقل أي شراكة وطنية، مرجعاً مواقف بعض المعارضين إلى حسابات خاصة أو مواقف مسبقة تمنع الوصول إلى حل شامل.
وفي ختام حديثه، عاد الفلاح، للتأكيد على أن المقصود بالمصالح هو “المصلحة الوطنية العليا” وليس المصالح الشخصية، معتبراً أن بناء الدول يقوم على حماية مصالح الشعوب وضمان الاستقرار ومستقبل الأجيال القادمة، وأن هذا هو الأساس الذي تقوم عليه التفاهمات السياسية الجارية حالياً في ليبيا.









