بويصير: المبادرة الأمريكية مشروع متكامل لحل الأزمة الليبية

كشف المحلل السياسي، محمد بويصير، أنه قدم مذكرة تتكون من خمس نقاط إلى مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، خلال وجوده في الولايات المتحدة، موضحاً أن هذه الخطوة جاءت انطلاقاً من كونه مواطناً أمريكياً من أصل ليبي يسعى للدفاع عن مصالح الليبيين، ومؤكداً في الوقت ذاته أن أي مبادرة دولية لن يكتب لها النجاح ما لم تتضمن مصلحة حقيقية للشعب الليبي.
وأوضح بويصير، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24” أن واشنطن تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية المرتبطة بالنفط والموقع الجيوسياسي لليبيا، غير أنه شدد على ضرورة أن يتعامل الليبيون بقدر من الواقعية مع المبادرة الأمريكية، وأن يسعوا إلى انتزاع مكاسب وطنية من خلالها، بدلاً من الاكتفاء برفضها بشكل كامل.
وأضاف أن التعاطي الإيجابي مع المبادرة لا يعني القبول المطلق بها، وإنما الانخراط فيها عبر طرح مطالب واضحة تضمن حماية المصالح الوطنية، لافتاً إلى أن الرفض دون بدائل عملية أو دون ممارسة ضغط سياسي منظم لن يكون له تأثير في تغيير مسار التحركات الدولية.
وأكد بويصير أن المبادرة الأمريكية للسلام في ليبيا تمثل مشروعاً متكاملاً تقوده مؤسسات الدولة الأمريكية، ويهدف إلى إعادة بناء السلطة السياسية، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وتهيئة البلاد لإجراء انتخابات، موضحاً أن واشنطن تتحرك ضمن رؤية استراتيجية أوسع ترتبط بأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي ومصالحها الحيوية في المنطقة.
وأشار إلى أن ما يجري في ليبيا، من وجهة نظره، يشبه تجارب سابقة قادتها الولايات المتحدة في دول شهدت نزاعات داخلية وحروباً أهلية، مستشهداً بتجارب البوسنة والهرسك، وأيرلندا، ورواندا، وكوسوفو، وكولومبيا، حيث تدخلت واشنطن عبر أدوات الضغط السياسي والتسويات الدولية والقوة الناعمة لإعادة بناء الاستقرار.
وأوضح بويصير أن ما يُعرف إعلامياً بـ “مبادرة بولس” ليس تحركاً فردياً، بل مشروع تشارك فيه مؤسسات أمريكية متعددة، مشيراً إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” تتولى الجوانب الأمنية والعسكرية، بينما تنخرط وزارة الخزانة الأمريكية في ملفات تتعلق بالمصرف المركزي، إلى جانب مشاركة وزارة الطاقة في ملفات النفط والطاقة.
وأضاف أن الولايات المتحدة تمتلك تصوراً متكاملاً للحل في ليبيا، يقوم على تشكيل سلطة سياسية موحدة، وتوحيد المؤسسة العسكرية، ثم التمهيد لإجراء انتخابات، مؤكداً أن نجاح هذا المشروع أو فشله سيُحسب في النهاية على واشنطن ذاتها، وليس على الأمم المتحدة فقط.
وفي تعليقه على اجتماعات “4+4” الأخيرة في تونس، قال بويصير إن التركيز على “تفاصيل التفاصيل” لا يجب أن يحجب الرؤية العامة للمشهد، موضحاً أن ليبيا وصلت إلى مرحلة تتطلب التفكير في “كيفية الحكم” أكثر من الانشغال بمن يحكم.
وأكد أن الأزمة الليبية لا ترتبط فقط بالأسماء والشخصيات، بل بغياب المشاريع السياسية والرؤى الاقتصادية والاجتماعية الواضحة، مضيفاً أن أغلب التنافس القائم يتمحور حول الوصول إلى السلطة دون تقديم برامج حقيقية قادرة على إقناع الليبيين أو إدارة الدولة بشكل مختلف.
ولفت بويصير إلى أن الشعارات المتعلقة بالتوحيد والاستقرار أصبحت متكررة في الخطاب السياسي، في حين لا تزال البلاد تفتقر إلى شخصيات تقدم مشروعاً واضحاً لبناء الدولة وإدارة المستقبل. داعياً الأطراف المتنافسة، وخاصة معسكري المشير خليفة حفتر، ورئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، إلى اعتبار المرحلة المقبلة “بداية جديدة”، تتضمن الاعتراف بأخطاء السنوات الماضية، والعمل على فتح الملفات العالقة، ورد الحقوق وتعويض المتضررين.
كما شدد على ضرورة أن تكون أي سلطة تنفيذية جديدة محدودة الزمن والوظيفة، بحيث يقتصر دورها على توحيد المؤسسات، وتحقيق الاستقرار، والتحضير للانتخابات فقط، مع وجود ضمانات أمريكية واضحة تحدد مدة عملها واختصاصاتها.
واقترح بويصير تشكيل مجلس يضم مئة شخصية ليبية مشهود لها بالنزاهة والخبرة، يتولى مراقبة أداء السلطة الموحدة خلال المرحلة الانتقالية، بما يضمن عدم انفراد أي طرف بالقرار السياسي، مشيراً كذلك إلى أهمية أن تقدم الولايات المتحدة دعماً فعلياً لليبيين عبر أدوات “القوة الناعمة”، من خلال تطوير قطاعات التعليم والصحة والإدارة، ونقل التكنولوجيا والخبرات الحديثة إلى ليبيا.
وأضاف أن من حق الليبيين الحصول على معاملة أفضل في علاقتهم مع الولايات المتحدة، مقترحاً تسهيل دخولهم إلى الأراضي الأمريكية بطريقة مشابهة لما يتمتع به مواطنو بعض دول الخليج، معتبراً أن أي شراكة سياسية حقيقية يجب أن تنعكس إيجاباً على حياة الشعب الليبي.
وأكد بويصير أن الليبيين يجب أن يكون لهم حضور وتأثير في أي ترتيبات سياسية قادمة، حتى وإن لم يكونوا ممثلين بشكل مباشر على طاولة المفاوضات، مشدداً على ضرورة أن يفرض الرأي العام الليبي مطالبه ورؤيته على الأطراف المحلية والدولية المنخرطة في العملية السياسية.
وفي معرض رده على المخاوف من تحول المبادرة الأمريكية إلى غطاء لحكم عسكري أو لإعادة إنتاج الاستبداد، أوضح بويصير أن العقيدة السياسية الأمريكية لا تشجع قيام أنظمة عسكرية مهيمنة في المنطقة، خشية أن يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار دول الجوار نتيجة امتلاك تلك الأنظمة للثروة النفطية والقوة العسكرية.
وأضاف أن واشنطن تفضل الوصول إلى نظام برلماني وانتخابات تفضي إلى “دولة مستقرة وغير عدوانية” في محيطها الإقليمي، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تسعى لتكرار تجارب الفوضى أو الانقلابات العسكرية التي قد تضر بمصالحها الاستراتيجية.
وتطرق بويصير إلى تجربة البوسنة والهرسك، موضحاً أن الأطراف المتحاربة نفسها شاركت في السلطة عقب الاتفاق الأمريكي، قبل أن تتطور العملية السياسية لاحقاً وتبرز وجوه جديدة، مشيراً إلى أن بعض الشخصيات التي شاركت في التسوية انتهى بها الأمر أمام المحاكم الدولية، ما يعني أن إشراك أطراف نافذة في مرحلة انتقالية لا يمنحها حصانة دائمة.
وأكد أن الولايات المتحدة لم تعد، منذ أواخر السبعينيات، تتبنى سياسة دعم الأنظمة العسكرية بشكل مباشر، بل باتت تعتمد صيغاً سياسية أكثر تعقيداً تقوم على تقاسم السلطة والمؤسسات المدنية.
وفي سياق متصل، شدد بويصير على أن نجاح أي مبادرة يبقى مرهوناً بقدرة الليبيين أنفسهم على فرض مطالبهم ووضع رؤيتهم على الطاولة، معتبراً أن المشاركة السياسية والنقاش الجاد أكثر فاعلية من الاكتفاء برفض التحركات الدولية من الخارج.
ونفى في الوقت نفسه أن يكون داعماً لأي طرف سياسي بعينه، مؤكداً أنه انتقد مختلف الأطراف في الشرق والغرب، وأن موقفه نابع من قراءة سياسية للمشهد وليس من انحياز لأي مشروع سلطوي.
وعن إمكانية تنفيذ الانتخابات وتوحيد المؤسسات خلال فترة قصيرة، أوضح بويصير أن الإدارة الأمريكية الحالية تحتاج إلى تحقيق اختراق في السياسة الخارجية قبل الانتخابات النصفية، خاصة في ظل تعثر ملفات دولية أخرى مثل أوكرانيا وإيران.
ورأى أن واشنطن تمتلك أدوات ضغط مؤثرة، سواء عبر العقوبات أو الحضور السياسي والأمني المباشر، ما يجعلها أكثر قدرة على فرض تفاهمات قابلة للتنفيذ مقارنة بالمبادرات الدولية السابقة.
وأكد أن الولايات المتحدة لن تكتفي بإطلاق المبادرة ثم الانسحاب، بل ستواصل متابعة تنفيذها عبر حضور سياسي وأمني مباشر، وربما من خلال سفير ذي خلفية عسكرية، بما يضمن حماية مصالحها ومنع انهيار الترتيبات الجديدة.
وختم بويصير حديثه بالتأكيد على أن المبادرة الحالية تمثل فرصة يمكن لليبيين استثمارها إذا نجحوا في فرض شروطهم الوطنية داخلها، معتبراً أن الوصول إلى انتخابات وتوحيد المؤسسات يتطلب تعاطياً واقعياً مع موازين القوى الدولية، دون التخلي عن المطالب الوطنية المتعلقة بالحريات وبناء الدولة المدنية.









