اخبار مميزةليبيا

العبدلي: مخرجات الحوار المهيكل غير ملزمة وتعيد إنتاج الأزمات دون حلول حقيقية

قال المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، إن التوصيات النهائية الصادرة عن الحوار المهيكل، لم ترتقِ إلى مستوى التطلعات المنتظرة، خاصة فيما يتعلق بمسار الحوكمة الذي وصفه بأنه المسار الأهم ضمن مجمل جهود التسوية السياسية في ليبيا، معتبراً أن ما صدر لم يقدم معالجة حقيقية لتعقيدات الأزمة السياسية القائمة.

وأوضح العبدلي، في مداخلة على تلفزيون “المسار”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن ما صدر من توصيات كان متوقعاً إلى حد كبير، خصوصاً بعد إعلان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أن هذه التوصيات غير ملزمة، متسائلاً عن جدوى الحوار من الأساس إذا كانت مخرجاته تفتقر إلى صفة الإلزام منذ البداية، على حد تعبيره.

وأضاف أن الأوساط السياسية كانت تنتظر مخرجات الحوار المهيكل بفارغ الصبر، على أمل أن يقدم حلولاً جذرية للأزمة الليبية بعد تعثر المؤسسات السياسية القائمة، بما في ذلك مجلسي والدولة، في التوصل إلى تسوية تنهي حالة الانسداد السياسي، غير أن التوقعات ذهبت نحو صدور توصيات يمكن البناء عليها مستقبلاً، إلا أن النتائج النهائية، خصوصاً في مسار الحوكمة، جاءت مخيبة للآمال، من وجهة نظره.

وأشار العبدلي، إلى أن أبرز ما نتج عن مسار الحوكمة هو مقترح تشكيل حكومة جديدة ومجلس رئاسي لمدة تتراوح بين 18 و24 شهراً تمهيداً لإجراء الانتخابات، معتبراً أن هذا الطرح لا يختلف كثيراً عن مخرجات ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، تكرار ذات السيناريوهات السابقة.

وقال إن هناك مؤشرات على وجود توافق داخل أعضاء مسار الحوكمة بشأن تفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات المغربية في 15 ديسمبر 2015، وهي المادة التي استند إليها لاحقاً الحوار السياسي الذي أفضى إلى مخرجات جنيف، موضحاً أن هذه المادة تتيح إطلاق حوار سياسي جديد في حال وجود خلافات أو خروقات جسيمة لبنود الاتفاق السياسي.

وبيّن العبدلي، أن ذلك يعني، بحسب تقديره، أن الأزمة الليبية قد تتجه مجدداً نحو مسار حواري جديد ينتج عنه تشكيل حكومة ومجلس رئاسي جديدين، على غرار ما حدث في الصخيرات وجنيف، مضيفاً أن المشكلة الأساسية تكمن في إعادة إنتاج السيناريوهات ذاتها دون تقديم حلول جديدة تعالج جذور الأزمة السياسية، وهو ما يجعل البلاد تدور في الحلقة نفسها.

وفي سياق رده على الحديث بشأن المسار التأسيسي المطروح ضمن المبادرات الأممية، أوضح العبدلي، أن ما يجري الحديث عنه لا يتعلق بالمسار التأسيسي بقدر ما يرتبط بتفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي، والتي تمنح إمكانية إطلاق حوار سياسي جديد كلما تعذر التوافق بين الأطراف السياسية الرئيسية.

وأشار إلى أن المادة تنص على إمكانية انعقاد حوار استثنائي بناءً على طلب أحد أطراف الاتفاق للنظر في أي خرق جسيم لبنوده، وهو ما يفسر – بحسب رأيه – توجه البعثة الأممية نحو إطلاق مسارات حوارية جديدة كلما تعثرت التفاهمات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والحكومة.

وتساءل العبدلي، عن موقع لجنة “4+4” واللجان المصغرة الأخرى ضمن المشهد الحالي في ظل تعدد المسارات والمبادرات السياسية المطروحة، وما إذا كانت ستظل جزءاً من الحل أم ستصبح جزءاً من حالة التشابك السياسي القائمة.

ورأى أن الرؤية التي تتبناها البعثة الأممية، قد تقود إلى إطلاق مسار حواري جديد يعيد إنتاج التجارب السابقة بدلاً من إنهاء حالة الانسداد السياسي، مشيراً إلى أن التساؤل الرئيسي يتمثل في طبيعة اللجنة أو الإطار الذي يمكن أن ينبثق عن المادة 64، وما إذا كان سيتمثل في طاولة “4+4” أو صيغة أخرى يتم التوافق عليها بين الأطراف السياسية والبعثة الأممية.

ورجّح العبدلي، أن يشهد أي حوار سياسي قادم تدخلاً دولياً أكبر، مشيراً إلى أن حواري الصخيرات وجنيف، شهدا حضوراً وتأثيراً خارجياً واسعاً، وأن السيناريو ذاته قد يتكرر في المرحلة المقبلة.

وفي معرض حديثه عن موقف المؤسسات السياسية القائمة، أوضح العبدلي، أن مجلسي النواب والدولة يبدوان حالياً في منطقة راحة واطمئنان، بعد ما اعتبراه فشل الحوار المهيكل في فرض واقع سياسي جديد، غير أنه أشار في الوقت ذاته إلى وجود أحاديث عن اتصالات وتفاهمات بين أعضاء من المجلسين بهدف التوصل إلى توافقات قبل الإحاطة المرتقبة للمبعوثة الأممية، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن خلال شهر يونيو الحالي.

وأضاف أن المجتمع الدولي بات مرتبطاً سياسياً بمسار الاتفاق السياسي الليبي منذ رعايته لاتفاق الصخيرات، ما يجعله معنياً باستمرار البحث عن آليات للحفاظ على العملية السياسية وإيجاد مخارج للأزمة.

وتطرق العبدلي، إلى الجدل حول إمكانية العودة إلى مخرجات لجنة “6+6″، مؤكداً أن القوانين الانتخابية التي أعدتها اللجنة كانت من المفترض أن تكون نهائية وغير قابلة للتعديل، إلا أن الاجتماعات اللاحقة فتحت الباب أمام إدخال تعديلات تحت مسمى التعديلات الفنية، محذراً من أن السماح بذلك يفتح المجال أمام مزيد من المراجعات والنقاشات السياسية التي قد تطيل أمد الأزمة بدلاً من حسمها.

وفي المقابل، رأى العبدلي، أن مبادرة “4+4” تبدو حالياً المسار الأكثر قدرة على الاستمرار، بالنظر إلى أنها تضم أطرافاً نافذة على الأرض وتحظى، بحسب تقديره، بدعم دولي مؤثر تقوده الولايات المتحدة، لافتاً إلى أن الحوار المهيكل لم يحقق النتائج المتوقعة خصوصاً في ملف الحوكمة، وأن كثيرين كانوا ينتظرون مقترحات أكثر وضوحاً وفاعلية لمعالجة الأزمة السياسية.

وحذر من أن القلق الأساسي يتمثل في احتمال اللجوء مستقبلاً إلى حوار سياسي جديد ينتهي بتشكيل حكومة ومجلس رئاسي جديدين دون أن يكون ذلك نتاجاً لتوافق المؤسسات القائمة أو لإرادة وطنية خالصة، مشيراً إلى أن هذا السيناريو قد يعيد إنتاج الانقسام السياسي والمؤسسي.

وفيما يتعلق بالإحاطة المنتظرة أمام مجلس الأمن، توقع العبدلي، أن تواجه البعثة الأممية تساؤلات بشأن حجم الرفض الذي أبداه عدد من المشاركين في الحوار المهيكل، لاسيما بعد تصريحات لبعض الأعضاء التي تفيد بأن التوصيات النهائية لا تعبر عن مواقفهم بالكامل، مشيراً إلى أن بعض المنتقدين ذهبوا إلى القول إن جزءاً من هذه التوصيات كان معداً مسبقاً من قبل البعثة الأممية، في حين تؤكد الأمم المتحدة أن مخرجاتها تستند إلى توافقات ليبية بمشاركة ممثلين ليبيين.

وفي تعليقه على انسحاب بعض أعضاء الحوار، أوضح العبدلي، أن قرار الانسحاب يظل موقفاً شخصياً يعكس قناعة صاحبه، وأن تفاصيل ما جرى داخل الجلسات لا تزال غير واضحة في ظل غياب بيانات رسمية تفصيلية من البعثة الأممية.

واعتبر العبدلي، أن المؤسسات السياسية الليبية القائمة تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الوصول إلى المرحلة الحالية نتيجة فشلها في التوصل إلى توافقات داخلية، الأمر الذي أفسح المجال أمام مزيد من التدخلات الدولية في الشأن الليبي. وحذر من أن أي حوار جديد قد يفضي إلى تشكيل حكومة ومجلس رئاسي جديدين خارج إطار توافق وطني شامل، بما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام بين الحكومات والأجسام التشريعية.

وختم العبدلي، حديثه بالتأكيد على أن الأزمة الليبية لن تجد حلاً حقيقياً إلا عبر الإرادة الوطنية الليبية، معتبراً أن البعثة الأممية أخفقت حتى الآن في تحقيق اختراق حقيقي يقود إلى تسوية مستدامة، وأن الرهان الأساسي يجب أن يبقى على توافق الليبيين أنفسهم بعيداً عن التجاذبات والمصالح الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى