اخبار مميزةليبيا

غنية: الغرب الليبي يضم قوى تعرقل أي تسوية سياسية

قال الأكاديمي والباحث السياسي، عبد العزيز غنية، إن المشهد السياسي في ليبيا تحكمه اعتبارات القوة والواقع الميداني أكثر من كونه صراعاً سياسياً تقليدياً، مشيراً إلى أن البلاد تواجه شبكة معقدة من التدخلات الدولية والتوازنات الداخلية المرتبطة بانتشار السلاح وتعدد مراكز النفوذ.

وأوضح غنية، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة “الساعة 24″، أن ما وصفه بـ“الإسلام السياسي” بمختلف أطيافه كان ـ بحسب رأيه ـ أحد العوامل التي ساهمت في تعقيد المشهد منذ سنوات، معتبراً أن هذا التيار، إلى جانب مجموعات مسلحة متداخلة في المشهد الأمني، شكّل عائقاً أمام الوصول إلى استقرار سياسي شامل.

وأشار إلى أن القوى المسلحة في غرب البلاد تمتلك تأثيراً واسعاً على القرار السياسي والاقتصادي، في ظل غياب مؤسسات دولة قوية قادرة على فرض سيادتها بشكل كامل، لافتاً إلى أن موارد النفط ما تزال محوراً رئيسياً للصراع السياسي والاقتصادي في ليبيا.

وفي سياق حديثه عن المبادرات الدولية، قال غنية إنه لا يثق في المبادرة الأمريكية المعروفة باسم “مبادرة بولس”، معتبراً أنها، وفق تقديره، تصب في إطار ترتيبات سياسية تخص أطرافاً في غرب ليبيا أكثر من كونها مشروعاً متكاملاً لحل الأزمة الليبية بشكل شامل.

وأضاف أن أي ترتيبات سياسية لا تراعي موازين القوى على الأرض ستظل محدودة الفاعلية، مشيراً إلى أن الشراكة مع بعض الأطراف في الغرب الليبي قد تعيد إنتاج نفس الإشكالات المتعلقة بتوزيع السلطة والموارد، خاصة في ظل ما وصفه بتأثير الفساد وضعف الإدارة المالية والمؤسساتية.

ورأى غنية أن الاقتصاد الليبي ما يزال اقتصاداً تابعاً يعتمد بشكل أساسي على النفط، وأن غياب المشاريع التنموية الحقيقية وتدهور الأداء المؤسسي يزيدان من تعقيد الأزمة، مشيراً إلى أن المواطن لا يلمس تحسناً ملموساً في مستوى الخدمات أو التنمية.

ولفت إلى أن أي حل سياسي مقترح، بما في ذلك مبادرات الأمم المتحدة أو اللجان الحوارية المتعددة، يظل رهيناً بقدرة هذه المبادرات على التعامل مع الواقع الميداني، وليس فقط مع الأطر النظرية أو الاتفاقات السياسية، التي وصف بعضها بأنها تفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة.

كما أشار إلى أن الأوضاع في غرب ليبيا تعكس ما وصفه بـ“توازن الرعب” بين القوى المسلحة، ما يجعل أي تغيير سياسي أو أمني مرتبطاً بتفاهمات دقيقة بين هذه الأطراف، محذراً من أن تجاهل هذا الواقع قد يؤدي إلى استمرار حالة الجمود السياسي.

وشدد غنية على أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تنطلق من قراءة واقعية للمعطيات على الأرض، مع ضرورة إشراك الفاعلين القادرين على فرض الاستقرار، وبما يضمن الوصول إلى انتخابات أو ترتيبات سياسية قابلة للتنفيذ، بعيداً عما وصفه بالحلول الشكلية أو غير القابلة للتطبيق.

وقال إن ما يجري في الغرب الليبي يعكس ما وصفه بـ”توازن قائم على قوة السلاح”، مشيراً إلى أن طبيعة المشهد الأمني والسياسي هناك تقوم على وجود مجموعات مسلحة تتقاسم النفوذ، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مسار أي عملية سياسية أو انتخابية.

وأوضح أن الخلافات حول ترتيبات السلطة في ليبيا ترتبط بشكل أساسي بمسألة إعادة تشكيل القوة داخل العاصمة، لافتاً إلى أن أي انتقال سياسي أو شراكة في الحكم لا يمكن أن تتم دون بناء “ثقة مؤسسية تدريجية” بين الأطراف المختلفة.

وأضاف أن المقاربة الواقعية تفرض التعامل مع مراكز القوة القائمة في البلاد، معتبراً أن نجاح أي مبادرة سياسية مرهون بقدرتها على خلق توازنات جديدة تسمح بتقاسم السلطة بشكل منظم، وليس عبر حلول سريعة أو اتفاقات شكلية.

وأشار إلى أن المؤسسة العسكرية تمثل، بحسب تعبيره، أحد العناصر التي تحظى بقبول لدى قطاعات من الليبيين، مؤكداً أن التعامل معها يجب أن يتم ضمن إطار وطني يهدف إلى بناء الدولة بعيداً عن الإقصاء أو فرض الولاءات السياسية.

ولفت إلى أن المشهد الليبي يتطلب مقاربة تقوم على الواقعية السياسية والتعامل مع الأمر الواقع، مشيراً إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن تجاهل موازين القوة على الأرض أدى إلى تعثر العديد من المبادرات الدولية.

وفيما يتعلق بالمبادرات السياسية الجارية، اعتبر غنية أن أي حل لا بد أن يمر عبر ترتيبات سياسية وأمنية متزامنة، موضحاً أن الفصل بين المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية كان أحد أسباب فشل جهود سابقة.

وأضاف أن بناء أي اتفاق مستدام يتطلب معالجة ملفات شائكة، تشمل الترتيبات الأمنية وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وضبط العلاقة بين القوى الفاعلة في الغرب الليبي، مشيراً إلى أن غياب هذه المعالجات يبقي حالة الانسداد السياسي قائمة.

وأكد أن الاستقرار في ليبيا يتطلب بناء شراكة سياسية تقوم على التوازن وليس الإقصاء، مع ضرورة توفير ضمانات تمنع تفجر الصراعات مجدداً وتؤسس لمرحلة انتقالية أكثر استقراراً.

وشدد غنية على أن نجاح أي مبادرة سياسية يظل مرتبطاً بقدرتها على معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها ترتيبات القوة والسلطة وإعادة بناء الثقة بين الفاعلين السياسيين والأمنيين داخل البلاد.

وقال إن الطرح الأمريكي المتعلق بالملف الليبي يُعد، وفق تقديره، الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن المشهد السياسي لا يترك مساحة لبدائل فعالة في ظل تعقيد الوضع الداخلي وتعدد مراكز القوة.

وأوضح أن التمسك بالمبادرات الدولية، وفي مقدمتها مبادرة المبعوث الأمريكي، يعكس واقعاً سياسياً يتسم بتداخل المصالح وصعوبة إنتاج حلول محلية خالصة، لافتاً إلى أن أي تسوية لا بد أن تنطلق من معطيات الأمر الواقع على الأرض.

وأضاف أن هناك أطرافاً سياسية في الغرب الليبي، على حد تعبيره، تعرقل مسارات الحل بسبب تمسكها بمكاسبها الحالية، مؤكداً أن هذه القوى تستفيد من استمرار حالة الانقسام وعدم الوصول إلى تسوية نهائية.

وأشار إلى أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أظهرت محدودية الحلول التقليدية، ما يجعل من المبادرات الدولية خياراً عملياً في ظل غياب توافق داخلي قادر على فرض حلول مستقرة.

وفي سياق حديثه، لفت غنية إلى أن التدخلات الخارجية في الملف الليبي لعبت أدواراً متغيرة، موضحاً أن بعض القوى الدولية التي كانت تُعد عاملاً معرقلاً في مراحل سابقة قد تتحول، في ظل تغير الظروف، إلى عنصر مؤثر في دفع مسارات التسوية.

وتناول غنية ملف العلاقات الدولية في ليبيا، مشيراً إلى أن تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية بين الأطراف الإقليمية والدولية يجعل من الصعب فصل تأثيرها عن مجريات المشهد الداخلي، خاصة في ظل غياب معلومات رسمية واضحة حول بعض الاتفاقيات الأمنية والعسكرية.

وفيما يتعلق ببنية المشهد السياسي الداخلي، اعتبر غنية أن ما وصفه بـ“التيارات الإسلامية السياسية” في ليبيا لم تنجح في إنتاج نموذج مستقل، مشيراً إلى أن هذا التيار ظل مرتبطاً بتوازنات خارجية ولم يتمكن من ترسيخ مشروع سياسي مستقر.

كما انتقد تعدد المنصات الإعلامية والسياسية التي تدعم أطرافاً بعينها، معتبراً أن ذلك يسهم في تعقيد المشهد وإعادة إنتاج الانقسام بدلاً من دفعه نحو الحل.

وفي ختام حديثه، تطرق غنية إلى الجدل الدائر حول منصب رئيس جهاز المخابرات في طرابلس، واصفاً الخلافات حوله بأنها مؤشر على حالة المحاصصة داخل المؤسسات السيادية، مؤكداً أن هذه الأجهزة يفترض أن تُدار بمعايير مهنية وأمنية بعيدة عن التجاذبات السياسية.

وأشار إلى أن استمرار التدخلات السياسية في التعيينات الأمنية يؤدي إلى إضعاف المؤسسات السيادية ويفقدها فعاليتها وحضورها في المشهد الأمني الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى