اخبار مميزةليبيا

المهدوي: تعدد المبادرات وغياب الإرادة الواقعية يعرقلان الحل السياسي

قال أستاذ العلوم السياسية، أحمد المهدوي، إن المشهد الليبي يشهد خلال هذه الفترة تحركات سريعة وملحوظة على المستويين المحلي والدولي والإقليمي، في ظل مساعٍ متزايدة لإيجاد تسوية للأزمة الليبية التي امتدت لسنوات طويلة.

وأوضح المهدوي، في تصريحات لقناة «ليبيا الحدث»، رصدتها «الساعة 24»، أن جذور الأزمة تعود إلى ما بعد انتخابات مجلس النواب، وما تلاها من انقسام سياسي تمثل في رفض بعض الأطراف لنتائج الاستحقاق الانتخابي، وما تبعه من خلافات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، الأمر الذي أسس لمرحلة جديدة من الصراع السياسي.

وأشار إلى أن التطورات التي شهدتها البلاد منذ عام 2014، بما في ذلك أحداث “فجر ليبيا” والأحداث المرتبطة بها، مثل ملف مطار طرابلس، عكست ـ بحسب وصفه ـ بداية مرحلة التمرد السياسي على مسار التداول السلمي للسلطة، وهو ما اعتبره تحوّلاً جوهرياً في طبيعة الأزمة.

وأضاف أن الإشكال الأساسي يتمثل في غياب تصور واضح لشكل الدولة الليبية، لافتاً إلى أن النقاش حول هوية الدولة ونظام الحكم تم تأجيله مراراً، ما ساهم في تعميق الأزمة بدل معالجتها، وأدى إلى استمرار حالة الغموض السياسي والمؤسساتي.

وأكد المهدوي أن النظام السياسي القائم في ليبيا هو نظام هجين وغير مستقر، وُلد من رحم اتفاقات رعتها الأمم المتحدة، لكنه ـ وفق تعبيره ـ لم ينجح في إنتاج نموذج واضح، إذ تتداخل فيه الصلاحيات بين النظامين الرئاسي وشبه الرئاسي والنظام البرلماني، ما جعل شكل الحكم غير محدد المعالم.

وانتقد المهدوي المبادرات الدولية المتعاقبة، بما في ذلك مؤتمرات برلين وباريس وجنيف وباليرمو، معتبراً أنها افتقرت إلى استراتيجية واقعية قابلة للتنفيذ، خاصة في ما يتعلق بملفات رئيسية مثل توحيد المؤسسة العسكرية أو إجراء الانتخابات، حيث بقيت هذه القضايا ـ بحسب قوله ـ في إطار الشعارات دون آليات تطبيق واضحة.

كما أشار إلى أن غياب الإرادة الدولية الفاعلة أسهم في استمرار إدارة الأزمة بدلاً من حلها، موضحاً أن البعثة الأممية في ليبيا تحولت إلى إطار لإدارة الوضع القائم أكثر من كونها جهة تسعى إلى إنهاء الأزمة، عبر لجان وحوارات وصفها بأنها غير ملزمة وتستغرق الوقت دون نتائج ملموسة.

ولفت المهدوي إلى أن تعدد المبادرات وتكرار اللجان الحوارية دون نتائج عملية يعكس، بحسب تقديره، غياب رؤية تنفيذية موحدة، الأمر الذي جعل الأزمة الليبية تراوح مكانها رغم كثافة الجهود الدولية المبذولة. وقال إن قراءة المشهد الليبي اليوم يجب أن تنطلق من فهم التحولات السياسية الداخلية والخارجية، في ظل تعدد المبادرات الدولية وتغير خرائط المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الليبي.

وأوضح أن المجتمع الدولي بات ينظر إلى الأزمة الليبية من زاوية المصالح المباشرة، لافتاً إلى أن تغير الأولويات الدولية، خصوصاً لدى الولايات المتحدة، جعل التعامل مع الملف الليبي أكثر ارتباطاً بالاستثمارات والمشاريع الاقتصادية، الأمر الذي ينعكس على مواقف بقية الأطراف الدولية.

وأشار إلى أن أي تسوية سياسية في ليبيا لن تنجح دون مراعاة التحولات في المواقف الدولية، مؤكداً أن القوى الإقليمية والدولية باتت تدرك أن أي حل في ليبيا يجب ألا يتعارض مع المصالح الأمريكية، وفق تقديره.

وفي السياق الداخلي، اعتبر المهدوي أن فكرة توسيع دائرة الحوار السياسي ليست دائماً فعّالة، مشيراً إلى أن التجارب السابقة، مثل اتفاق الصخيرات ومبادرات جنيف، أظهرت أن زيادة عدد الأطراف المشاركة في الحوار قد تعقّد الحلول بدل تسريعها، خصوصاً عندما تتعدد مراكز القرار وتتشعب الخلافات.

وأوضح أن طبيعة المرحلة الحالية تتطلب التركيز على الأطراف الفاعلة على الأرض، باعتبارها الجهات القادرة على تنفيذ أي اتفاق سياسي، محذراً من أن إدخال أطراف غير قادرة على فرض التزاماتها قد يؤدي إلى تعطيل المسار السياسي. كما أشار إلى أن أي اتفاق سياسي يحتاج بالضرورة إلى غطاء تشريعي لضمان تنفيذه، موضحاً أن هذا الدور ظل يتم عبر مجلسي النواب والدولة في إطار التوافقات السياسية السابقة، رغم الجدل حول الصلاحيات الدستورية لكل منهما.

ولفت المهدوي إلى أن استمرار الانقسام السياسي وتعدد السلطات، إلى جانب وجود قوى مسلحة ومجموعات تفرض واقعاً أمنياً في بعض المناطق، يجعل من الصعب الوصول إلى عملية انتخابية مستقرة دون ترتيبات أمنية وتشريعية مسبقة. وأكد أن أي حل سياسي مستدام يجب أن يكون واقعياً وقابلاً للتطبيق، معتبراً أن نجاح أي مبادرة مرهون بقدرتها على ترجمة التفاهمات إلى إجراءات تنفيذية على الأرض، وليس الاكتفاء بالإعلانات السياسية أو التفاهمات النظرية.

وختم المهدوي بالإشارة إلى أن الأزمة الليبية باتت مرتبطة بتداخل السياسي بالأمني والاقتصادي، ما يستوجب ـ بحسب قوله ـ مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الفعلية، وتضمن في الوقت نفسه الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة قابلة للتنفيذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى