حسني بي: كلفة تأجيل القرارات الاقتصادية تتزايد يوماً بعد آخر

يرى رجل الأعمال والخبير الاقتصادي حسني بي، أن التعامل مع الأزمة النقدية في ليبيا لا يمكن أن يقتصر على انتظار تسوية الانقسام السياسي أو استكمال توحيد مؤسسات الدولة، مؤكداً أن الاقتصاد يفرض إيقاعه الخاص، وأن كلفة تأجيل القرارات الاقتصادية تتزايد يوماً بعد آخر.
وأكد بي، في قراءة للأوضاع الاقتصادية، أنه يتفق مع الرأي القائل إن الاقتصاد الليبي يمتلك خصوصية تجعل تطبيق النظريات الاقتصادية التقليدية عليه بصورة حرفية أمراً غير واقعي، في ظل اقتصاد ريعي، وانقسام مؤسسي، وإنفاق عام غير منضبط، وتمويل مستمر بالعجز، وتضخم متسارع في الكتلة النقدية.
ورفض بي، الاكتفاء بإدارة الأزمة أو تخفيف آثارها إلى حين إنهاء الانقسام السياسي واعتماد ميزانية عامة موحدة، معتبراً أن الاقتصاد لا ينتظر السياسة، والأسواق لا تنتظر اكتمال المؤسسات.
وأشار إلى أن الواقعية الاقتصادية لا تعني تأجيل القرارات الصعبة، بل اتخاذ القرار الممكن في الوقت المناسب، مع مقارنة كلفة اتخاذه بكلفة الاستمرار في تأجيله، وهو ما ينطبق بصورة مباشرة على ملف سعر الصرف وآلية بيع النقد الأجنبي.
وبحسب بي، فإن المشكلة لا تكمن في بيع الدولار بحد ذاته، وإنما في السعر الذي يُباع به والآلية التي يتم من خلالها توزيعه. فكلما ابتعد السعر الرسمي عن سعر التوازن الحقيقي الذي تفرضه قوى العرض والطلب، اتسعت الفجوة مع السوق الموازية، وتحولت هذه الفجوة إلى مصدر ربح سهل يغذي المضاربة ويخلق طلباً إضافياً على الدولار لا يرتبط بالإنتاج أو الاستيراد، وإنما بالاستفادة من فارق الأسعار.
وشدد على ضرورة عدم الخلط بين الأسباب والنتائج، موضحاً أن سعر الصرف ليس أصل الأزمة، بل أحد أبرز انعكاساتها، إذ يعود الخلل الأساسي إلى استمرار الإنفاق العام بمستويات تفوق الإيرادات، مع اللجوء إلى خلق المزيد من الدينارات لتمويل العجز، ثم محاولة تثبيت قيمتها إدارياً أمام كمية محدودة من النقد الأجنبي.
ويرى أن هذه المعادلة تفرز حلقة اقتصادية مغلقة تبدأ بالعجز المالي، ثم التوسع في الإصدار النقدي، يليه التضخم والضغط على سوق النقد الأجنبي، لتتسع بعدها الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وتتزايد المضاربة والطلب غير الحقيقي على الدولار.
وأكد بي، أن معالجة هذه الاختلالات لا يمكن أن تكون نقدية فقط، كما لا يجوز في الوقت نفسه تأجيل إصلاح السياسة النقدية إلى حين إنجاز إصلاح شامل للمالية العامة، داعياً إلى العمل في مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في ضبط الإنفاق العام ووقف التمويل بالعجز، والثاني في إصلاح سياسة سعر الصرف وآلية بيع النقد الأجنبي، مع توحيد قنوات الحصول على العملة الأجنبية وفق قواعد شفافة تقلص الفجوة السعرية وتحد تدريجياً من ريع المضاربة.
وأكد أن الخلاف قد يكون مشروعاً حول السعر المناسب للدينار أو توقيت وآلية الانتقال إلى نظام أكثر كفاءة، إلا أن تأجيل القرار بانتظار ظروف مثالية ليس خياراً اقتصادياً، لأن عدم اتخاذ القرار هو في حد ذاته قرار، لكنه قرار باهظ الثمن، يدفع المواطن كلفته من تراجع القوة الشرائية للدينار، ويدفعه الاقتصاد من احتياطياته وفرصه في الاستثمار والنمو.









