اخبار مميزةليبيا

بوسعيدة: هناك رؤية أمريكية حقيقية لفرض الاستقرار في ليبيا 

قال المحلل السياسي عمر بوسعيدة إن هناك رؤية واستراتيجية أمريكية حقيقية تجاه ليبيا وشمال أفريقيا، تستهدف فرض حالة من الاستقرار في المنطقة بما يتوافق مع المصالح الأمريكية، مؤكداً أن ما يجري حالياً يتجاوز مجرد مبادرة مؤقتة، وأن الولايات المتحدة باتت تتعامل مع الملف الليبي باعتباره واحداً من الملفات المهمة في سياق رؤيتها للسلام والانتقال إلى أفريقيا وأمن الطاقة وتدفقات مصادرها.

وأوضح بوسعيدة، في لقائه مع قناة الوسط، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن الموقع الجغرافي المهم لليبيا والتغيرات التي يشهدها العالم والمحيط الإقليمي جعلت البلاد من أولويات الملفات التي تتحرك بشأنها الإدارة الأمريكية، خصوصاً مع وصول الإدارة الجديدة برئاسة دونالد ترامب، وما يرتبط برؤيتها للسلام وتوسيع حضورها في أفريقيا.

وأشار إلى أن ليبيا تمثل بوابة مهمة للعبور إلى أفريقيا، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي في شمال أفريقيا، لافتاً إلى أن هذه المعطيات ترافقت مع توجه أمريكي جديد يقوم على تعزيز السيطرة على منابع الطاقة وضمان تدفقها، وهو ما أسهم في بلورة رؤية استراتيجية أمريكية تجاه المنطقة.

وأضاف أن هذه الرؤية تقوم على ضرورة فرض حالة من الاستقرار في شمال أفريقيا، باعتبار أن الاستقرار يشكل مدخلاً لحماية المصالح الأمريكية وتحقيق أهدافها الاقتصادية والأمنية والسياسية، موضحاً أن هذه التوجهات بدأت تظهر بصورة أكثر وضوحاً من خلال التحركات الأمريكية الأخيرة في ليبيا.

وبيّن أن مبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس جاءت ضمن هذا السياق، وأنها قامت على مراحل بدأت بالمسار الاقتصادي، ثم المسار الأمني، وصولاً إلى المسار السياسي، معتبراً أن المبادرة تواجه حالياً بعض الصعوبات، لكنها لا تزال تحظى بزخم حقيقي ودعم أمريكي واضح.

ولفت بوسعيدة إلى أن عدداً من الدول الإقليمية باتت تتعامل مع المبادرة الأمريكية وتعيد حساباتها في الملف الليبي، مشيراً إلى الدور التركي الذي برز من خلال الزيارات والتحركات الأخيرة، ومؤكداً أن الدول الإقليمية تمتلك مصالح متقاطعة في ليبيا لكنها في الوقت ذاته تحاول الحفاظ على أدوارها ومكتسباتها داخل المشهد.

وأضاف أن الزخم الأمريكي يمثل، في تقديره، العامل الأكثر تأثيراً في هذه المرحلة، ما يدفع مختلف الأطراف إلى محاولة فهم الموقف الأمريكي والتعامل معه بما يتوافق مع مصالحها، سواء من خلال التقارب معه أو العمل على الحفاظ على النفوذ الذي اكتسبته خلال السنوات الماضية.

وأوضح أن بعض الشركاء الأوروبيين لا ينظرون إلى المبادرة الأمريكية بالطريقة نفسها، لافتاً إلى وجود مواقف وتحركات يمكن أن تتراوح بين محاولة التفاهم مع الجانب الأمريكي وبين السعي إلى تعطيل بعض مسارات المبادرة حتى لا تؤدي إلى تغيير موازين النفوذ القائمة.

وأشار إلى أن الواقع الليبي نفسه يفرض ضغوطاً متزايدة باتجاه الوصول إلى حل، في ظل الانسداد السياسي الحاد وتفاقم أزمات الخدمات والظروف المعيشية، معتبراً أن هذه المؤشرات جعلت الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة البحث عن حل فعلي أمراً أكثر إلحاحاً.

وقال إن البعثة الأممية عملت خلال السنوات الماضية على إدارة الأزمة من خلال مبعوثين ومبادرات متعاقبة، وكانت الغاية في كثير من الأحيان احتواء الصراع ومنع انفجاره مجدداً، دون الوصول إلى تسوية نهائية، بينما استمرت بعض الأجسام السياسية في التمسك بالسلطة ومحاولة إطالة عمر المرحلة الانتقالية قدر الإمكان.

وأكد أن الوضع الحالي يختلف بصورة كبيرة عن المراحل السابقة، وأن المقارنة بين المشهد الراهن والمراحل الماضية لم تعد دقيقة، لأن هناك متغيرات دولية واستراتيجيات جديدة ينبغي التعامل معها بإيجابية بما يخدم مصلحة ليبيا، بدلاً من الانشغال بالخلافات السياسية الضيقة التي ساهمت في إطالة الأزمة لأكثر من عقد.

وفي رده على الجدل بشأن ما إذا كانت هناك مبادرة أمريكية فعلية أم مجرد استراتيجية، أوضح بوسعيدة أن وجود رؤية أمريكية تجاه ليبيا أمر ثابت، مستشهداً بقانون «استقرار ليبيا» الذي أقره الكونغرس الأمريكي عام 2021، معتبراً أن هذا التشريع يمثل مؤشراً على وجود استراتيجية أمريكية فعلية تهدف إلى دعم الاستقرار وإعادة ترتيب المشهد الليبي.

وأكد أن وصف المسار الأمريكي بأنه مجرد تحرك عابر لا ينسجم مع المعطيات، موضحاً أن المبادرات والاستراتيجيات السياسية قد تختلف في طريقة الإعلان عنها، لكن وجود تشريعات أمريكية واتصالات وتحركات دبلوماسية وميدانية متواصلة يعكس وجود مشروع أوسع.

وانتقل بوسعيدة إلى الحديث عن زيارة الفريق صدام حفتر إلى موسكو ولقائه وزير الدفاع الروسي، معتبراً أن هذه الزيارة تأتي ضمن جولات واتصالات سياسية واسعة تجريها القيادة العامة مع عواصم مختلفة، في وقت تتحرك فيه أطراف أخرى داخل المشهد الليبي لإعادة تموضعها دولياً.

وأشار إلى أن فرنسا تكثف بدورها تحركاتها تجاه القيادة العامة، وتقوم بجولات سياسية في عدد من العواصم الأوروبية والدولية، لافتاً إلى أن هذه الزيارات تعكس اهتماماً متزايداً بالجانب الشرقي من المشهد الليبي باعتباره أحد الأطراف الرئيسية في أي ترتيبات مقبلة.

وأضاف أن المشهد الدولي المحيط بليبيا لم يعد يتحرك في اتجاه واحد، وإنما بات يشهد اتصالات متزامنة بين مختلف القوى المؤثرة، معتبراً أن التواصل مع موسكو وواشنطن والعواصم الأوروبية يعكس حجم التنافس الدولي على التأثير في مستقبل ليبيا.

ولفت إلى أن وجود الفريق صدام حفتر ضمن هذه التحركات الخارجية يعكس أن القيادة العامة تحاول بناء شبكة علاقات دولية مع القوى الفاعلة، في وقت تعمل فيه حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة وأطراف سياسية أخرى على نسج علاقاتها مع عواصم مختلفة.

وأوضح أن هذه الجولات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها زيارات بروتوكولية فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من عمل سياسي طويل ومعقد، يحتاج إلى مراحل متعددة واتصالات مكثفة حتى يتم الوصول إلى أي تسوية نهائية.

وأشار إلى أن التطورات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب عودة ترامب إلى البيت الأبيض، جعلت الملف الليبي أكثر أهمية في حسابات القوى الدولية، خصوصاً أن ليبيا يمكن أن تمثل ورقة يمكن توظيفها ضمن أوسع عملية تفاوض حول ملفات الطاقة والأمن والنفوذ في المنطقة.

ورأى أن التقارب الذي تشهده العلاقات بين إدارة ترامب وروسيا يمثل عاملاً جديداً يمكن أن ينعكس على الملف الليبي، معتبراً أن وجود درجة من التفاهم أو التنسيق بين واشنطن وموسكو قد يفتح المجال أمام دفع أكثر إيجابية باتجاه التسوية الليبية.

وأكد أن الموقف الروسي خلال السنوات الماضية كان غالباً أقرب إلى التحفظ تجاه المبادرات الغربية، سواء الأوروبية أو الأمريكية، وكان يفضّل الحفاظ على هامش مستقل في الملف الليبي، إلا أن التحولات الدولية الجديدة قد تؤدي إلى تغيير هذا السلوك.

وأشار إلى أن أي قدر من التناغم الأمريكي الروسي يمكن أن يساهم في دفع الحل السياسي الليبي إلى الأمام، خصوصاً في ظل التعقيد الكبير الذي يحيط بالملف بسبب تراكم سنوات طويلة من الانسداد السياسي والفراغ المؤسسي وتعدد الأجسام السياسية وانتشار الفساد وتغلغله في مؤسسات الدولة.

وأضاف أن هذه التراكمات جعلت الوصول إلى دولة ليبية موحدة ومستقرة أكثر صعوبة، وأثرت بصورة مباشرة على الاقتصاد والخدمات وحياة المواطنين، غير أن المتغيرات الدولية الحالية قد تفتح فرصة حقيقية أمام إعادة تحريك المسار السياسي.

وشدد بوسعيدة على أن ليبيا تمر بمرحلة دولية جديدة لا تشبه المراحل السابقة، وأن هذا التحول يجب ألا يُنظر إليه باعتباره خطراً فقط، وإنما فرصة يمكن لليبيين استغلالها لدفع الحل إلى الأمام.

ودعا السياسيين الليبيين إلى التعامل بواقعية مع التحولات الدولية، والاستفادة من تغير موازين القوى والتنافس بين الدول الكبرى والإقليمية من أجل تحقيق تسوية تخدم المصلحة الوطنية، بدلاً من تحويل ليبيا إلى ساحة إضافية لصراع النفوذ الخارجي.

وأكد أن نجاح أي مسار جديد يتطلب تجاوز أدوات إدارة الأزمة القديمة، والانتقال إلى معالجة جذور الانقسام السياسي والمؤسسي، مع الاستفادة من الزخم الأمريكي والتحركات الدولية والإقليمية المتزايدة.

وفي ختام حديثه، شدد بوسعيدة على أن المرحلة الراهنة تقدم فرصة نادرة لتحريك الملف الليبي، في ظل وجود رؤية أمريكية واضحة، وتحركات تركية ومصرية وأوروبية وروسية متزامنة، داعياً الليبيين إلى استثمار هذه المتغيرات لإيجاد حل سياسي حقيقي يدفع البلاد نحو توحيد مؤسساتها وإنهاء الانقسام والوصول إلى الاستقرار وبناء الدولة، بدلاً من الاستمرار في إدارة الأزمة وتكرار المراحل الانتقالية السابقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى