القريتلي: ليبيا بحاجة إلى تجاوز خطاب الكراهية والانقسام
قال الناطق باسم حزب صوت الشعب، عبد السلام القريتلي، إن الانقسام السياسي في ليبيا لم يعد يمثل الخطر الأكبر على البلاد، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار الانقسام العسكري والأمني، وأن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية يمثل المدخل الأهم لتحقيق الاستقرار وإنهاء حالة الانقسام.
وأوضح القريتلي، خلال مداخلة على قناة «ليبيا الحدث»، رصدتها «الساعة 24»، أن ما يحدد الواقع الليبي على الأرض ليس المشهد السياسي وحده، وإنما وجود السلاح وتعدد مراكز القيادة والمؤسسات العسكرية والأمنية، مشيراً إلى أن أي تقدم في هذا الملف ستكون له انعكاسات مباشرة على المسار السياسي.
وأكد القريتلي أن شبح اندلاع حرب جديدة في ليبيا بات بعيداً، مستنداً في ذلك إلى ما وصفه بـ”التناغم العسكري والأمني” القائم بين الأطراف، إضافة إلى التحركات والاجتماعات التي جرت خلال الفترة الأخيرة بين ممثلي المؤسسات العسكرية والأمنية في شرق البلاد وغربها.
وأشار إلى الاجتماعات التي عقدت بين الأطراف العسكرية، ومن بينها لقاءات مع رئاسة الأركان، باعتبارها مؤشرات على وجود رغبة في استمرار التواصل وتجنب التصعيد، معتبراً أن هذه التحركات تمثل خطوات في الاتجاه الصحيح. وأضاف أن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، بات يتعامل مع الملف الليبي باعتباره من الملفات المرتبطة مباشرة بأمن واستقرار المنطقة، مشيراً إلى وجود تحركات دولية وإقليمية لدفع الأطراف الليبية نحو التوافق.
وتحدث القريتلي عن مبادرة «4+4» وما يرتبط بها من ترتيبات عسكرية وأمنية، معتبراً أنها تمثل مساراً يمكن البناء عليه، رغم وجود تحفظات لدى بعض القوى السياسية والأحزاب بشأن عدد من التفاصيل والضمانات. وأوضح أن موقف الحزب لا يقوم على رفض المبادرة، وإنما المطالبة بإجراء تعديلات تتعلق بالضمانات وآليات التنفيذ، مؤكداً أن الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى ترتيبات تمنع العودة إلى الصراع المسلح وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار.
كما أشار إلى التحركات الأمريكية والدولية الأخيرة بشأن ليبيا، ومنها اللقاءات والمؤتمرات التي شاركت فيها دول أوروبية وعربية، معتبراً أن تعدد الأطراف الدولية المنخرطة في الملف يعكس أهمية ليبيا بالنسبة إلى المصالح الإقليمية والدولية. وفيما يتعلق بالتشكيلات المسلحة، قال القريتلي إن التعامل معها ينبغي ألا يقوم فقط على منطق المواجهة أو الإقصاء، مشيراً إلى أن جزءاً من هذه التشكيلات أصبح مرتبطاً بصورة رسمية بمؤسسات الدولة، ولا سيما وزارتي الدفاع والداخلية.
وأضاف أن معالجة ملف الجماعات والتشكيلات المسلحة تحتاج إلى برامج واضحة لإعادة الدمج والتنظيم، بما يضمن انتقال العناصر المسلحة إلى مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية وفق ترتيبات قانونية ومنظمة. واستشهد القريتلي بالتجربة الرواندية، داعياً إلى الاستفادة من التجارب الدولية في معالجة آثار النزاعات المسلحة وإعادة بناء مؤسسات الدولة، معتبراً أن ليبيا بحاجة إلى مسار وطني يعالج جذور الأزمة بدلاً من إعادة إنتاج الصراع.
وقال القريتلي إن العقوبات الدولية يمكن أن تشكل أداة ضغط على الأطراف التي تعرقل التوافق السياسي والعسكري، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي بات أكثر استعداداً لاستخدام وسائل الضغط لدفع الأطراف الليبية إلى تنفيذ التفاهمات. وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب من جميع الأطراف التعامل بجدية مع المبادرات المطروحة، محذراً من أن استمرار تعطيل المسار السياسي أو العسكري قد يضع المعطلين تحت طائلة إجراءات دولية.
وأشار إلى وجود تحركات دبلوماسية واجتماعات دولية مرتقبة بشأن ليبيا، معتبراً أن ذلك يعكس استمرار الضغط الدولي باتجاه الوصول إلى تسوية شاملة. وشدد القريتلي على أن الهدف من أي تسوية سياسية يجب ألا يقتصر على إنهاء الخلاف بين الأطراف السياسية، بل ينبغي أن يقود إلى تشكيل حكومة جديدة توافقية، وإقرار دستور ينظم شكل الدولة ومؤسساتها، وإنهاء المرحلة الانتقالية.
وقال إن الليبيين، بحسب ما يلمسه الحزب من الشارع، يريدون الاستقرار قبل أي شيء آخر، ويرغبون في حكومة قادرة على معالجة الأوضاع الاقتصادية والخدمية وتحسين مستوى المعيشة. وأضاف أن المواطن الليبي بات يواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وأن قضايا الصحة والكهرباء وسعر الصرف وتوفير الاحتياجات الأساسية أصبحت أكثر إلحاحاً بالنسبة إليه من الخلافات السياسية والصراعات بين النخب.
ودعا الناطق باسم حزب صوت الشعب إلى عقد حوار شامل يضم مختلف التيارات والقوى السياسية والاجتماعية، مؤكداً ضرورة عدم استبعاد أي طرف يرغب في المشاركة في إنقاذ البلاد. وشدد على أن الحزب لا يرفض الحوار مع أي تيار، بما في ذلك الإسلاميون وأنصار النظام السابق وغيرهم من المكونات السياسية، طالما أن المشاركة تستهدف الوصول إلى حل وطني.
وقال إن ليبيا بحاجة إلى تجاوز خطاب الكراهية والانقسام، داعياً وسائل الإعلام والصفحات والمنصات العامة إلى الابتعاد عن التحريض والتصعيد، والتركيز على ما يجمع الليبيين. وأكد القريتلي أن غالبية الليبيين لا يريدون العودة إلى الحرب، وأن المواطن يريد أن يعيش في دولة مستقرة أياً كان من يتولى إدارتها، ما دام قادراً على توفير الأمن والخدمات وتحسين الأوضاع الاقتصادية.
وقال إن الحرب، مهما كانت نتائجها العسكرية، لا يمكن أن تكون حلاً للأزمة الليبية، مشدداً على أن «الرابح في الحرب خاسر» بسبب ما تخلفه المواجهات من ضحايا ودمار وانقسامات. وأضاف أن المخاطر الأمنية والاقتصادية، ومنها التهريب والهجرة غير النظامية وتهريب الوقود وغيرها من الملفات، لا يمكن معالجتها بصورة مستدامة إلا من خلال بناء مؤسسات موحدة وقادرة على فرض القانون.
وأوضح القريتلي أن حزب صوت الشعب لا يعارض المبادرات الدولية والإقليمية من حيث المبدأ، وإنما يسعى إلى توظيفها بما يخدم المصلحة الوطنية الليبية. وأشار إلى أن الحزب شارك في لقاءات ومؤتمرات سياسية على مستوى البلاد، وأن لديه جملة من المبادرات والتوصيات، إلى جانب التحضير لمؤتمر للسلام يجمع مختلف الأطراف.
وأكد أن الحزب يؤيد تشكيل حكومة توافقية تشارك فيها مختلف الأطراف، باعتبار أن المرحلة الحالية تتطلب توسيع قاعدة التوافق بدلاً من إعادة إنتاج الانقسام. وأشار القريتلي إلى أن الظروف الدولية المحيطة بليبيا تغيرت بصورة كبيرة منذ عام 2011، معتبراً أن القوى الدولية والإقليمية باتت تنظر إلى ليبيا في ضوء مصالح أمنية واقتصادية واستراتيجية متشابكة.
وقال إن وجود اهتمام أمريكي وأوروبي وعربي وتركي بالملف الليبي ينبغي أن تستفيد منه القوى الوطنية الليبية في الدفع نحو الاستقرار وبناء الدولة، بدلاً من السماح بتحول البلاد إلى ساحة للصراعات الدولية. وأضاف أن التطورات الإقليمية والدولية، بما فيها تداعيات الصراعات في المنطقة، جعلت استقرار ليبيا موضع اهتمام متزايد لدى عدد من القوى الدولية.
وأكد القريتلي ضرورة الانتقال إلى ترتيبات سياسية جديدة تتجاوز حالة المؤسسات الانتقالية الحالية، داعياً إلى إعادة النظر في شكل السلطة التنفيذية والقيادة السياسية خلال المرحلة المقبلة. وأوضح أن الحزب يطرح، ضمن رؤيته، تشكيل قيادة مؤقتة للبلاد وحكومة مؤقتة، على أن تكون مهمتها الأساسية إنهاء المرحلة الانتقالية والتهيئة لقيام دولة مستقرة ومؤسسات دائمة.
وقال إن الحزب لديه ملاحظات على بعض بنود المبادرات المطروحة، لكنه مستعد للحوار مع جميع الأطراف بهدف الخروج من حالة الانسداد السياسي، مؤكداً أن «لا شيء مستحيلاً» إذا توافرت الإرادة السياسية.
وفي ختام حديثه، شدد القريتلي على أن المواطن الليبي لم يعد معنياً بالصراع حول أسماء الشخصيات أو الجهات التي تتولى السلطة بقدر اهتمامه بتحسين ظروف حياته اليومية. وقال إن المواطن يريد الكهرباء والخدمات الصحية واستقرار العملة وتحسين الظروف المعيشية، وإن هذه المطالب أصبحت أولوية تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية.
وأكد أن حزب صوت الشعب سيواصل التواصل مع مختلف الأطراف والتيارات، مشدداً على أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة توافق وطني، وأن الليبيين جميعاً مدعوون للمشاركة في بناء الدولة.
وأعرب القريتلي عن تفاؤله بإمكانية حدوث تطورات إيجابية خلال المرحلة المقبلة، قائلاً إن هناك تحركات واتصالات تجري بعيداً عن الأضواء، وقد تقود إلى «مفاجآت جيدة لليبيا»، مؤكداً أن الهدف النهائي يجب أن يكون إنهاء الانقسام وتحقيق الاستقرار وبناء دولة موحدة لجميع الليبيين.









