بورويص: يجب نقل ليبيا من دولة الريع والتوزيع إلى دولة الإنتاجية

طرح الباحث المهتم بالتنمية ناصر إدريس بورويص قراءة اقتصادية موسعة عبر شبكة «عين ليبيا»، أعاد فيها تعريف جوهر المعضلة الاقتصادية في البلاد، بالانتقال من سؤال «كيف ننوع الاقتصاد؟» إلى سؤال أكثر ارتباطًا بقدرة الدولة: «كيف نبني دولة قادرة فعليًا على تنفيذ استراتيجية التنويع؟».
واستند بورويص في قراءته إلى تقرير الاقتصادي مايكل بورتر ومجموعة «Monitor Group» الصادر عام 2007 بعنوان «الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية: لحظة ليبيا للتحرك»، معتبرًا أن مرور نحو عقدين على التقرير يفرض إعادة النظر في القضية الاقتصادية من زاوية مختلفة، تركز على قدرة المؤسسات الليبية على تحويل الخطط والقرارات إلى نتائج ملموسة.
وقال بورويص إن ليبيا لا تعاني بالضرورة من نقص الأفكار أو الموارد، وإنما من «فجوة تنفيذية» تتمثل في المسافة بين معرفة ما ينبغي فعله والقدرة الفعلية على تنفيذه. وأوضح أن وجود خطة جيدة أو موارد مالية كبيرة لا يضمن تحقيق النتائج إذا كانت الدولة تفتقر إلى المؤسسات والبيانات والمهارات والصلاحيات وآليات المتابعة والمحاسبة.
وأشار إلى أن المؤسسة الحكومية قد تعرف حاجتها إلى تطوير خدمة أو رقمنة إجراء أو تقليل مدة إصدار التراخيص أو تحسين إدارة الموارد، لكن معرفة المشكلة لا تعني امتلاك الأدوات اللازمة لحلها.
ويرى بورويص أن دورة العمل التقليدية قد تتحول إلى «خطة، ثم لجنة، ثم قرار، ثم إعلان، ثم تعثر في التنفيذ، فتغيير الأشخاص، ثم خطة جديدة»، بينما يتطلب الإصلاح الحقيقي دورة تبدأ بالتشخيص وتحديد الأولوية، ثم تعيين المسؤول ومنحه الصلاحية وتوفير الموارد، وصولًا إلى التنفيذ والقياس والتصحيح والتعلم، قبل تحويل التجربة الناجحة إلى نظام مؤسسي مستقر.
وبحسب القراءة، فإن تقرير بورتر لعام 2007 انطلق من امتلاك ليبيا موارد طبيعية ورأس مال وموقع جغرافي مهم وقربًا من أوروبا وامتدادًا نحو أفريقيا، إلى جانب أصول ثقافية وتاريخية، لكنه ركز على تحدي تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاجية وتنافسية واستثمار وثروة مستدامة.
ويقول بورويص إن السؤال بعد نحو عشرين عامًا لم يعد فقط كيفية تنويع الاقتصاد، بل كيفية بناء الجهاز المؤسسي القادر على تنفيذ التنويع، في ظل استمرار الاعتماد الكبير على المحروقات، التي شكلت، وفق البيانات التي يستند إليها، نحو 65% من الناتج المحلي الإجمالي و93% من الصادرات و72% من الإيرادات خلال 2024.
ويربط الباحث بين هذه المؤشرات والحاجة إلى بناء قدرة مؤسسية تحول الموارد النفطية من مصدر للإنفاق إلى وسيلة لتمويل بناء القدرات الإنتاجية والمهارات والتكنولوجيا والشركات والاستثمار والتصدير.
ويطرح بورويص ثلاثة أطر لفهم الاختناقات الاقتصادية، هي نظرية القيود، ومبدأ باريتو، وتحليل سلسلة القيمة، بهدف الانتقال من الأسئلة العامة إلى تحديد العوائق الأكثر تأثيرًا، ومواقع هدر الوقت والقيمة، والإجراءات التي تتسبب في الجزء الأكبر من التعطيل.
كما يحدد 13 عنصرًا يرى أنها تشكل أساس قدرة الدولة على التنفيذ، أبرزها وضوح الأولويات والسلطة والمسؤولية، وتوافر البيانات والمهارات والموارد، وسرعة الإجراءات، والرقابة والمحاسبة، وقياس النتائج والتعلم والتصحيح.
ويقترح بورويص خمس قواعد للإدارة التحويلية، تتمثل في إصلاح الحوافز المؤسسية، والاعتماد على القياس في الإدارة، وتحديد عدد محدود من الأولويات الوطنية، وبناء المؤسسات بدلًا من الاعتماد على الأشخاص، وتحويل جزء من الريع النفطي إلى استثمارات منتجة للمستقبل.
ويحذر في الوقت نفسه من ستة تحديات رئيسية أمام الإصلاح، تشمل الانقسام السياسي والمؤسسي، ومقاومة التغيير، ونقص الكفاءات، والاستدامة المالية، وفقدان الثقة، ومخاطر التكنولوجيا والأمن السيبراني.
ويقترح بورويص اختبار قدرة الدولة على الإنجاز خلال أول 100 يوم عبر اختيار خمسة اختناقات وطنية وخمس خدمات عامة وخمسة إجراءات استثمارية وخمسة مشاريع إنتاجية قابلة للتحسين أو الإطلاق، على أن يكون لكل مشروع مسؤول واضح ونتيجة محددة ومؤشر قياس وموعد نهائي وآلية متابعة وتقرير معلن عن مستوى التقدم.
وعلى المدى الأبعد، يدعو إلى إنشاء «نظام وطني للتنفيذ» يتولى تحويل الأولويات إلى مشاريع، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة التنفيذ، واكتشاف الاختناقات وقياس النتائج، معتبرًا أن وحدة صغيرة للمتابعة والتنفيذ قد تكون أكثر فاعلية من إضافة لجنة جديدة إلى هيكل اللجان القائمة.
ويخلص بورويص إلى أن ليبيا لا تحتاج فقط إلى استراتيجية اقتصادية جديدة، بل إلى قدرة جديدة على تنفيذ الاستراتيجية، مؤكدًا أن التنمية لا تقوم على الموارد والخطط وحدها، وإنما على دولة تستطيع تحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى نتيجة، والنتيجة إلى قياس، والقياس إلى تعلم، والتعلم إلى مؤسسة مستدامة.
ويختصر رؤيته في الانتقال من «دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات»، ومن كثرة الخطط إلى جودة التنفيذ، ومن توزيع الريع إلى بناء الإنتاجية، ومن إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على التعلم، ومن سؤال «ماذا نريد؟» إلى سؤال أكثر جوهرية: «كيف نجعل الدولة قادرة على فعله؟».









