الذباح: ضعف السيطرة والانفلات الأمني يحولان ليبيا إلى ملاذ للمهاجرين

أكد الدكتور طارق الذباح الباحث في العلاقات الدولية والنظم السياسية، أن الهجرة غير الشرعية أصبحت تمس الأمن القومي الليبي بشكل مباشر، لما تخلّفه من تهديدات سياسية، اجتماعية، واقتصادية.
وطالب الذباح، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24” بتفعيل الإجراءات القانونية وتنظيم ملف العمالة الأجنبية بما يضمن سيادة الدولة، وحقوق الإنسان.
وأوضح الذباح، أن ليبيا تواجه نوعين من الهجرة: الأولى إيجابية، وهي هجرة العمالة المؤقتة التي تلبي احتياجات البلاد في مجالات مهنية مثل البناء الكهرباء والسباكة، أما الثانية فهي سلبية وغير قانونية، وتُعد الأخطر بسبب تداعياتها الأمنية والصحية، خاصة مع دخول أعداد كبيرة من المهاجرين وانتشارهم في المدن دون حصر رسمي، مما يُربك جهود الدولة في حفظ الأمن وتقديم الخدمات الصحية.
وأشار إلى أن ليبيا تحولت من دولة عبور إلى وجهة استقرار للمهاجرين غير النظاميين، نتيجة ضعف السيطرة الحكومية والانفلات الأمني، إذ وجد كثير من المهاجرين في البلاد بيئة مناسبة للاستقرار، لسهولة التنقل وانخفاض تكاليف المعيشة، وغياب الإجراءات القانونية الصارمة، حيث يُستأجر السكن دون التزام برسوم، أو أوراق رسمية.
وبيّن الذباح أن ضعف الرقابة على الحدود وسوء تطبيق القوانين ساهم في جعل ليبيا معبرًا رئيسيًا للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، وهو ما أكدته تقارير الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من تقليص عدد مراكز الإيواء من 26 إلى 16 مركزًا بجهود وزارة الداخلية وجهاز مكافحة الهجرة بدعم من القوات المسلحة، إلا أن أعدادًا كبيرة من المهاجرين لا تزال تتنقل داخل المدن الليبية دون رقابة.
كما نبه إلى انتشار أمراض وبائية بين المهاجرين الذين يعملون في أماكن حساسة مثل المطاعم والمنازل، ما يشكل خطرًا على الصحة العامة، محذّراً من ظاهرة “تأنيث الهجرة”، التي ظهرت في تزايد أعداد النساء والأطفال بين المهاجرين، ما يزيد من تعقيد الأزمة.
وحمّل الذباح بعض الليبيين مسؤولية تفاقم الأزمة، مؤكدًا وجود عصابات محلية متورطة في تهريب البشر، وتوفير الإيواء والتنقل لهم، قائلاً: “دعونا نتحدث بشفافية، من يؤجر لهم الشقق؟ من ينقلهم؟ للأسف، هناك تورط ليبي واضح”.
ونوه إلى تزايد الجرائم المرتبطة بالمهاجرين غير الشرعيين، كالمخدرات والقتل والسرقة، مستشهدًا بتقارير تم عرضها في مؤتمر الهجرة في طرابلس، حيث أكدت التقارير تورطهم في شبكات تهريب المخدرات.
ودعا الذباح الحكومة الليبية إلى تبني إجراءات صارمة، ولكن عادلة، لضبط الحدود ومكافحة التهريب دون المساس بكرامة الإنسان، موضحًا أن الدين الإسلامي والقوانين الوطنية يحثان على احترام حقوق الإنسان، لكن لا يمكن القبول بالفوضى الأمنية تحت أي مبرر.
كما شدد على أن استمرار الظاهرة بات يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على الدولة، حيث تصل كلفة إقامة الفرد في مراكز الإيواء إلى 2700 دينار شهريًا، في ظل قصور واضح من بعض المنظمات الدولية في أداء دورها داخل هذه المراكز.
وأكد أن جهاز مكافحة الهجرة يقوم بجهود مستمرة لإعادة المهاجرين إلى بلدانهم، سواء جوًا أو عبر الحدود البرية، لكن الأمر يتطلب تعاونًا دوليًا فعّالًا.
وبيّن أن المساحة الشاسعة لليبيا وقلة عدد سكانها، تشكل تحديًا في ضبط الحدود، خاصة في الجنوب، الذي يشهد فراغًا ديموغرافيًا بسبب نزوح السكان نحو الشمال، ما يسهل نشاط العصابات المنظمة لتهريب البشر رغم الجهود الأمنية.
وفي السياق القانوني، نوّه إلى أن القانون رقم 19 لسنة 2010 يحتاج إلى تعديل جذري، إذ لا يشمل عقوبات رادعة لمهربي البشر أو المتورطين في شبكات الهجرة، كما لا يتناسب مع حجم التحديات الأمنية والديموغرافية الراهنة.
وأوضح الذباح أن مؤتمرات وورش عدة نُظمت منذ 2019، أبرزها مؤتمر سرت ومؤتمر وزارة الداخلية، وجميعها خرجت بتوصيات مهمة لكنها لم تُنفذ حتى الآن، مؤكدًا أن غياب التطبيق الفعلي يعمّق الأزمة.
كما تطرق إلى الصعوبات التي تواجهها ليبيا في إعادة المهاجرين لبلدانهم، بسبب رفض دولهم استقبالهم، ورفض أوروبا قبولهم، مما يفرض على ليبيا استيعابهم بشكل غير منظم. مشيراً إلى ظواهر خطيرة مثل العثور على أطفال لقطاء مجهولي الهوية، وغالبهم ليسوا ليبيين، لكن يحصلون على الجنسية الليبية، مما يهدد التركيبة الديموغرافية. كما كشف عن تسجيل أجانب ضمن السجلات الليبية بطرق غير قانونية، ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي.
وسلط الضوء على الزواج غير المستقر بين بعض المهاجرين والنساء الليبيات، والذي ينتهي غالبًا بترك الزوجة والأطفال، مؤكدًا أن هذه الظواهر تحمل أبعادًا اجتماعية وقانونية خطيرة.
ولفت الذباح إلى أهمية إجراء تعداد سكاني شامل لتحديد أعداد المواطنين والمقيمين، وضبط ملفات العمالة والمهاجرين.
وختم الذباح تصريحه بالتأكيد على أهمية حماية القرار الوطني، وتنظيم المشهد الداخلي، ورفض أي محاولات لاختراق السيادة الليبية أو تحويل البلاد إلى ساحة لصراعات دولية أو مشاريع توطين أجنبية.









