طلوبة: تغيير العملة لن يقضي على الاكتناز إلا بإصلاح اقتصادي شامل

قال الدكتور عبد اللطيف طلوبة، الأكاديمي والمتخصص في الشأن الاقتصادي، إن قرار مصرف ليبيا المركزي بإيقاف التعامل بعدة فئات نقدية، من بينها فئتا العشرين والخمسين دينارًا، لا يمكن تقييمه بدقة في ظل غياب توضيح رسمي للأهداف المرجوة من هذه الخطوة.
وأوضح طلوبة، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن نجاح أي قرار اقتصادي يعتمد على مدى تحقيق الهدف المنشود، مشيرًا إلى أن المصرف لم يقدم مبررات واضحة لإيقاف التعامل بفئتي العشرين والخمسين دينارًا، واكتفى بالإشارة إلى شبهة تزوير دون تقديم دليل رسمي.
وأضاف: أن الخطوة، رغم غموضها، كان لها أثر ملموس على السوق الليبي، إذ ساهمت مؤقتًا في خفض معدلات غسيل الأموال والحد من المضاربة بالعملات الأجنبية، كما أثرت على أسواق العقارات والمعادن الثمينة، وانعكس ذلك جزئيًا في تحسن قيمة الدينار وتراجع أسعار العملات الأجنبية في السوق الموازي.
وبينّ أن هذا التحسن قد يشير إلى وجود أرصدة مشبوهة لم يتمكن أصحابها من تأكيد مصادرها أو إعادة تدويرها بعد سحب الفئات النقدية من التداول.
غير أن طلوبة شدد على أن نجاح الخطوة مرتبط بعدة عوامل، أبرزها قدرة المصرف على توفير فئات نقدية بديلة بسرعة، خاصة لفئة صغار الموظفين والمواطنين ذوي الدخل المحدود، الذين تكبدوا خسائر نتيجة سحب مدخراتهم القديمة، مضيفاً: “إذا استمرت طوابير السيولة، فإن المشكلة لم تُحلّ، بل تم استبدالها بأخرى”..
ودعا إلى ضرورة صدور بيانات رسمية توضح حجم الكميات المسحوبة ومدى تحقق الأهداف المنشودة، فضلاً عن قدرة المصرف على تعويض النقص وضمان استقرار السيولة.
ورأى طلوبة أن المصرف ارتكب خطأ تقنيًا وقانونيًا حين زامن بين تاريخ إبطال العملة وتاريخ توقف قبولها رسميًا، ما أضرّ مباشرة بالفئات الضعيفة اقتصاديًا كصغار الموظفين والمتقاعدين وكبار السن، مؤكدًا أن القانون المالي ينص على بقاء العملة صالحة لإبراء الذمة ما دامت سليمة، ويجب وجود فترة فاصلة بين إعلان الإبطال ووقف قبولها. مقترحاً حلًا عمليًا عبر وضع سقف محدود لقيمة العملة المقبولة بعد الإبطال، بحيث يُستثنى كبار المضاربين والمحتكرين، ويُسمح لصغار المدخرين بتبديل مدخراتهم دون ضرر.
وحول ظاهرة الاكتناز، اعتبر طلوبة أنها نتيجة تراكمات ثقافية واقتصادية طويلة الأمد، وأن تغيير العملة وحده لا يكفي للقضاء عليها، مستذكرًا تجربة مايو 1980 التي أظهرت فشل الإجراءات المشابهة في غياب إصلاح اقتصادي شامل. مبيناً أن دورة النقود في ليبيا تعاني من خلل بنيوي، إذ يعتمد الاقتصاد بشكل شبه كامل على الإنفاق الحكومي الذي يتحول إلى استهلاك مباشر للسلع المستوردة، ما يجعل النقد يتكدس لدى التجار والموردين ويؤدي إلى تفاقم الاكتناز.
وذكر أستاذ الاقتصاد، أن أي قيود على الاستيراد أو تغييرات في سعر الصرف قد تدفع التجار للاحتفاظ بالسيولة، مما يزيد من تعقيد المشكلة. لافتاً إلى أن التراجع في سعر صرف الدولار مقابل الدينار من 8 إلى 7 دنانير يعود إلى عدة عوامل، أبرزها سياسات المصرف المركزي الأخيرة، بما في ذلك قرار إبطال التعامل بفئتي 50 و20 دينارًا، ما قلل السيولة النقدية المتداولة وخفّض الطلب على العملات الأجنبية، بالإضافة إلى إعلان المصرف تخصيص نصف مليار دولار لتمويل الطلب على العملة الصعبة، الذي لعب دورًا نفسيًا مهمًا في تهدئة السوق. كما أشار إلى دور شركات الصرافة في تقليل الطلب على الدولار في السوق الموازي.
ورغم هذه التحركات، أكد طلوبة أن استمرار الخلافات السياسية حول الميزانية العامة ورفض المصرف اعتمادها أثّر مباشرة في تقليص الإنفاق الحكومي، ما قلل حجم السيولة المتاحة وانعكس على انخفاض الضغط على العملات الأجنبية. لافتاً إلى أن التقييم الحقيقي لنجاح المصرف المركزي لن يتحدد إلا بمدى قدرته على الحفاظ على هذا الاستقرار حتى نهاية العام، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية المستمرة.
وتطرق أيضًا إلى الأرقام المتداولة عن ارتفاع الأصول الأجنبية لدى المصرف إلى 98.4 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، مقارنة بـ 95.3 مليار في نهاية 2024، مؤكداً بأنها تحتاج إلى تفسير رسمي وشفاف قبل إمكانية الاعتماد عليها في التحليل الاقتصادي.
وأخيرًا، اعتبر طلوبة أن الدعوات إلى تعويم سعر صرف الدينار لن تكون فعّالة طالما أن المصرف المركزي هو المصدر الوحيد للعملة الأجنبية في السوق، مؤكداً أن غياب سوق حرة حقيقية يجعل أي خطوة في هذا الاتجاه.









