ددش: قدرة المصرف المركزي على ضبط السوق الموازي لا تزال محدودة
أكد الخبير المصرفي، فوزي ددش، أن قدرة مصرف ليبيا المركزي على ضبط السوق الموازي لا تزال محدودة، خاصة مع توسع التداول عبر المنصات الإلكترونية والتطبيقات الرقمية، مشيرًا إلى أن عمليات بيع وشراء العملات تجري حاليًا بشكل لحظي، بعيدًا عن رقابة الدولة ومؤسساتها.
وقال ددش، في تصريحات لقناة «الوسط»، رصدتها «الساعة 24»: “مسؤولية استقرار سعر الصرف وضبط السوق تقع بالدرجة الأولى على عاتق المصرف المركزي، وما يهم المواطن فعليًا هو انتظام التعاملات النقدية ضمن القطاع المصرفي الرسمي، لا عبر مكاتب الصرافة غير المرخصة أو سوق المشير الموازي، فسوق الصرافة غير الرسمي يشكل خطرًا كبيرًا على الاقتصاد الوطني، ويؤدي إلى ارتفاع متقلب في أسعار السلع والخدمات، ما يضعف من قيمة الدينار الليبي، رغم قيام المصرف المركزي بضخ مليارات الدولارات في صورة اعتمادات وتحويلات”.
وأضاف “السوق الموازي لم يتراجع رغم هذه السياسات، بل ازداد تعطشًا للعملة الأجنبية، نتيجة سيطرة عدد محدود من التجار على كميات كبيرة من النقد الأجنبي، وتحكمهم في السوق وفقًا لمصالحهم الخاصة، بعيدًا عن أي تنظيم أو رقابة”، مشيرا إلى أن نحو 3 ملايين عامل وافد في ليبيا يمثلون أحد العوامل المؤثرة في هذه الأزمة، لافتًا إلى أن غياب الإجراءات التنظيمية لدمجهم في القطاع المصرفي الرسمي يمنع الاستفادة من تحويلاتهم ويُفقد الدولة والمصارف مصادر دخل محتملة.
وتابع “لو تم فتح حسابات لهؤلاء العمال وتنظيم عمليات السحب والإيداع والتحويل، لأصبحوا مصدرًا فعّالًا لدعم النظام المصرفي بدلاً من أن يكونوا جزءًا من الفوضى المالية الحالية، فالحل يتطلب تنسيقًا مباشرًا بين المصرف المركزي، ووزارات العمل، والاقتصاد، والمالية لوضع رؤية مشتركة تنظم العملة الأجنبية وضبط السوق الموازي”، مشددًا على أن انتشار الفساد وتغلغله في مفاصل هذا السوق جعله أشبه بشبكة عنكبوتية تدار من قبل مضاربين يمتلكون أرصدة ضخمة ويؤثرون سلبًا على استقرار الاقتصاد الوطني.
واعتبر أن هيمنة السوق الموازي خلقت بيئة اقتصادية هشة، تضرر منها المواطن البسيط بشكل مباشر، بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع يزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، داعيا إلى حزمة من الإجراءات الفعلية تشمل تنويع مصادر الدخل، وزيادة الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، بما يساعد في توليد موارد جديدة من النقد الأجنبي، ويحد من الاعتماد على السوق الموازي.
واستطرد “المضاربون لم يعودوا يراعون ظروف المواطنين، والمواطن هو أول من يدفع ثمن هذه الفوضى الاقتصادية، وأزمة الثقة بين المواطن والقطاع المصرفي الليبي لا تزال من أبرز التحديات، ونحو 55 مليار دينار ليبي لا تزال متداولة خارج الدورة المصرفية، وهو ما يعكس حجم العزوف الشعبي عن التعامل مع البنوك، بسبب ضعف الخدمات وتعقيد الإجراءات”.
وأوضح أن ما يهم المواطن اليوم ليس الأرقام الاقتصادية أو ضخ الأموال، بل قدرته الفعلية على تلبية احتياجاته اليومية بسهولة، مؤكدًا أن المواطن فقد ثقته في المصارف بعدما أصبحت السوق الموازية هي المرجع الحقيقي للحصول على السيولة والخدمات المالية، وإن كانت بأسعار مرتفعة أو خارج الإطار الرسمي، لافتا إلى أن السوق الموازي استفاد من بطء البنوك وتعقيداتها، حيث قدّم خدمات سريعة وغير خاضعة للرقابة، مما جعله أكثر جاذبية للمواطنين، خصوصًا في ظل غياب التبسيط في المعاملات البنكية الرسمية.
ورأى ددش، أن الحل لا يكمن فقط في التحول الرقمي أو تطوير الخدمات التقنية، بل في استعادة الثقة من خلال إجراءات عملية على الأرض، أهمها: توفير السيولة، رفع القيود على السحب، وتقديم خدمات تحترم وقت وجهد المواطن. وقال: “المواطن يريد أن يسحب راتبه دون إذلال، لا أن يخسر 200 دينار من أصل 1000 فقط ليستلمها نقدًا”.
وذكر أن ظاهرة حرق الشيكات التي يلجأ إليها المواطنون للحصول على السيولة، تُعد دليلًا واضحًا على فشل المنظومة المصرفية في تلبية الحد الأدنى من الطلبات اليومية، مطالبًا المصرف المركزي بتقييم الواقع بشكل واقعي، لا من خلال الأرقام فقط. مبديا تفاؤله الحذر بناءً على اجتماعات أجراها مؤخرًا مع مسؤولي المصرف المركزي، من بينها لقاء مع المحافظ ومديري الإدارات، والذين أكدوا أن المصرف بدأ فعليًا في ضخ السيولة داخل القطاع المصرفي. وقال إنه تم ضخ أكثر من 3 مليارات دينار موزعة على مناطق الشرق والجنوب، والآن بدأ تنفيذ الخطة في المنطقة الغربية، خاصة في طرابلس والمناطق المحيطة بها.
وشدد على أن هذه الخطوات، إن استمرت بانتظام، قد تؤدي إلى نقلة نوعية في القطاع المصرفي لم يشهدها الليبيون منذ سنوات، خاصة فيما يتعلق بتحسين تجربة العملاء، وتوفير السيولة للمواطنين من ذوي الدخل المحدود، معتبرا أن نجاح هذه المرحلة يتطلب التزامًا جادًا من المصارف التجارية، وتنسيقًا فعالًا مع المصرف المركزي، لضمان عدم عودة السوق الموازي إلى السيطرة على المشهد المالي، مؤكدًا أن المواطن هو الأصل في النظام المصرفي، وإن لم يشعر بالأمان والثقة، فلن تنجح أي خطة إصلاح.
وحذّر من تداعيات ضعف الرقابة المصرفية على العمليات المالية، مؤكدًا أن ليبيا تقترب من الدخول في مرحلة التقييم الدولي المباشر بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يتطلب من المصارف الوطنية الارتقاء بمعاييرها إلى مستوى الممارسات الدولية.
ودعا مديري الإدارات وتحديداً إدارة مكافحة غسل الأموال في البنوك إلى بذل مزيد من العناية الواجبة والمُعززة عند التعامل مع العملاء، خاصة عند فتح الاعتمادات والتحقق من مصادر الأموال والمستندات المقدمة. مبينا أن هناك حاجة ملحّة إلى تحليل المعاملات الكبيرة وغير المرتبطة بنشاطات العملاء الفعلية، والإبلاغ عنها للجهات الرقابية المختصة، حمايةً للمنظومة المالية من التورط في شبهات أو مخالفات قد تعرض البلاد لعقوبات أو تصنيفات سلبية.
وختم الخبير المصرفي فوزي ددش تصريحاته بالتأكيد على ضرورة مواكبة المصارف الليبية لأفضل الممارسات العالمية في الصناعة المصرفية، أسوة بالمؤسسات المالية في الدول المتقدمة، خصوصًا في ظل الظروف الحالية التي تتطلب حوكمة أقوى وشفافية أعلى داخل القطاع المالي.









