التهامي: ليبيا تحتاج إلى مبعوث أممي خبير مثل الأخضر الإبراهيمي

قال الباحث السياسي، أحمد التهامي، إن المسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، يعيد نفس السيناريوهات السابقة التي لم تحقق أي نتائج عملية، ووصف الحوار المرتقب بأنه تكرار لتجربة جنيف، مؤكداً أن الدعوات المتكررة للحوار أصبحت بلا جدوى في ظل غياب الشفافية والتمثيل الحقيقي للمكونات الوطنية.
وأضاف التهامي في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24” أن المشاركين في هذه الحوارات – خاصة منظمات المجتمع المدني – غالباً ما يكونون غير معروفين، ولا يمثلون فعلياً فئات الشباب أو المرأة كما يُروج لهم.
وانتقد التهامي بشدة آلية اختيار المشاركين، قائلاً إنه سبق له أن سأل عن هوية ممثل الشباب في حوار جنيف، ولم يجد من يرد عليه، وهو ما يكرس غياب التمثيل الشعبي الحقيقي. مشيرا إلى أن بعض الشخصيات التي تولت مناصب لاحقاً تصرفت وكأنها غير معنية بالجهة السياسية التي دعمتها، مما يعكس فوضى في توزيع المناصب والمسؤوليات.
واعتبر التهامي أن تصريحات المبعوثة الأممية “هانا تيتيه”، التي تحدثت عن إطلاق حوار سياسي الشهر المقبل من خلال أربع مجموعات عمل، تعيد ذات النمط السابق من ورش العمل والنقاشات الشكلية، رغم ما وصفه بالغطاء الجديد المتمثل في توصية الأمين العام للأمم المتحدة بضرورة تيسير عملية سياسية ذات مصداقية تستعيد الشرعية الوطنية.
وشكك التهامي في قدرة الأمم المتحدة على تحويل هذه التصريحات إلى إجراءات عملية، خاصة مع استبعاد قوى دولية فاعلة من المشهد، أبرزها روسيا. معتبراً أن عقد مؤتمر حول مستقبل ليبيا بدون مشاركة روسيا – وهي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن – يعكس خللاً في التوازن الدولي للمسار السياسي.
كما لفت التهامي إلى ما وصفها بالفضيحة المتعلقة بتقارير الأمم المتحدة، موضحاً أن أحد الأشخاص الذين ينتمون لدولة عربية ويقيم في طرابلس هو من يصيغ هذه التقارير، مما يفقدها الحيادية والمصداقية.
وفي تعليقه على خطة “تيتيه” لتعديل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات خلال شهرين، قال التهامي إن شيئاً من هذا لم يتحقق حتى الآن، مما يعزز الشكوك حول جديتها وقدرتها على تنفيذ أي من وعودها، مضيفاً: “الواقع مختلف، ولهذا فإن التشكيك في إمكانية تحقيق تقدم ملموس الشهر المقبل هو أمر موضوعي”.
وبشأن فكرة الحوار عبر أربع مجموعات، قال التهامي إن هذه المقاربة مجربة وفشلت، موضحاً أن الأزمات الكبرى – مثل أزمة لبنان في الثمانينات – لم تُحل عبر مجموعات حوار تديرها الأمم المتحدة، بل عبر مفاوضين مخضرمين.
ورأى أن ليبيا تحتاج إلى مبعوث أممي خبير، مثل الأخضر الإبراهيمي، يتواصل مع الكتائب المسلحة ويقدم لهم ضمانات مقابل تسليم السلاح، وهذا هو المدخل الحقيقي لأي حل.
وأكد التهامي أن هناك أطرافاً لا تمانع في استمرار ما أسماها مهزلة الأمم المتحدة، لأنها تضمن لها البقاء في السلطة. موضحاً أن رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الموجود حالياً في بريطانيا لعرض مشاريع، لن يستقيل في ظل هذا الوضع، مشدداً على أن استمرار هذا المسار لن يؤدي إلى نتائج إيجابية.
وفي سياق مداخلته، شدد التهامي على ضرورة التفكير في مسار بديل عن المسار الأممي، قائلاً: “نحن لا ننتظر أحداً ليفكر بديلاً عننا أو يخطط لنا. لدينا عقولنا وسنطلق مشروعاً وطنياً من داخل ليبيا، ومن يريد أن يواكبه فمرحباً به، ومن لا يريد فليبقَ في جموده”.
ودعا التهامي إلى طرد المبعوثة الأممية من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني، واصفاً استمرارها في العمل بأنه لا يخدم المصلحة الوطنية، معتبراً نفسه متطرفاً في هذا الرأي، لكنه يؤمن بأنه السبيل الصحيح لحل الأزمة الليبية.
وقال إن ليبيا بعد عام 2011 ظلت رهينة لاعتبارات دولية مضخّمة، مشيراً إلى أن الليبيين أعطوا المجتمع الدولي أكثر من حجمه، وخضعوا لتأثير السفراء الأجانب، خاصة الأمريكي والفرنسي والبريطاني، الذين لا يملكون، حسب وصفه، القدرة الحقيقية على تغيير الواقع الليبي.
وأشار التهامي إلى أن الولايات المتحدة لا تعتبر الملف الليبي من أولوياتها، مستنداً إلى تقارير صادرة عن معهد واشنطن للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي وصف فيها الباحث “بن فيشمان” الإدارة الأمريكية بأنها لا تولي ليبيا أي اهتمام حقيقي، معتبراً أن هذا الملف أقرب للشأن الأوروبي.
وبينّ التهامي، أن المبعوثين الأمريكيين إلى ليبيا يتعاملون مع الملف الليبي بشكل سطحي، حيث أشار إلى مسعد بولس الذي غيّر تصريحاته فور وصوله طرابلس، بعد لقاءات في أوروبا مع رجال أعمال أتراك وشخصيات من عائلة ترامب، ما يؤكد – بحسب التهامي – أن القضية الليبية في أعين البعض لا تتعدى كونها ملف صفقات ضيقة ومصالح شخصية.
ورأى التهامي أن الموقف الأمريكي والأوروبي قائم على إدارة الأزمة لا حلها، فهم، حسب تعبيره، يريدون استمرار الوضع الراهن شريطة تأمين مصالحهم، خصوصاً في ملفي النفط والاقتصاد. مؤكدا أن الحل الحقيقي للأزمة الليبية يبدأ من تأسيس جديد في مناطق المشروع الوطني بقيادة الجيش، عبر إجراء انتخابات محلية، وتفعيل مؤسسات الدولة، منتقداً في الوقت ذاته ما وصفه بخضوع بعض المدن لسيطرة جماعة الإخوان المسلمين، معتبرًا أنه من الصعب انضمام تلك المدن إلى مشروع الدولة الوطنية في ظل سيطرة هذه الجماعات.
وشدد التهامي على ضرورة التحالف الاستراتيجي مع روسيا، داعياً إلى توقيع اتفاقية دفاع مشترك تؤمن لليبيا غطاءً دوليًا حقيقيًا، محذرًا من الاكتفاء بالرهان على مبعوثي الأمم المتحدة، الذين قال إنهم فشلوا في تقديم حلول عملية، واصفًا خطوات المبعوثة الأممية الحالية بأنها لن تفضي إلى شيء ملموس.
وفي السياق ذاته، أكد أن أي عملية سياسية يجب أن تكون واضحة وبعيدة عن العموميات، مبيناً أن الحوار الحقيقي لا يحتاج أربع دوائر، بل صفقة واحدة واضحة: ماذا سنأخذ وماذا سيأخذ الطرف الآخر.
وانتقد التهامي تجربة حكومة الدبيبة، قائلًا إن تغييرها قد يُعتبر في حد ذاته إنجازًا، لكنه شدد على أن أي حكومة قادمة يجب أن تكون قائمة على اتفاق حقيقي بين القوى الفاعلة، وعلى أسس وطنية لا تتبع إملاءات دولية.
ولفت إلى أن تجاوز الأزمة الليبية يتطلب الاعتراف بالواقع، وبناء مشروع سياسي على الإرادة الوطنية والتحالفات الاستراتيجية، لا على الشعارات أو المبادرات الشكلية. مؤكداً أن أي حوار أو صفقة سياسية يجب أن تشمل الجماعات المسلحة والجيش في طرابلس، إلى جانب القيادة العامة للجيش، مطالباً بوسيط دولي قادر على التأثير المباشر على الفاعلين المسلحين، لا على الشخصيات الشكلية، مشيراً إلى ضرورة توفير ضمانات حقيقية لتفكيك الجماعات المسلحة مقابل الأمن، المال، أو حتى المناصب.









