عبد القيوم: الحوار المهيكل يُدخل ليبيا في متاهة سياسية

أكد الكاتب والمحلل السياسي عيسى عبد القيوم أن البيان الأخير للأمم المتحدة وما تبع إحاطة المبعوثة الخاصة إلى ليبيا، “هانا تيتيه”، يعكس حالة من الهروب إلى الأمام ومحاولة لصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية التي تهم المواطنين الليبيين، وعلى رأسها أزمة السيولة.
وفي مداخلة على تلفزيون “المسار”، رصدتها “الساعة 24” أشار عبد القيوم إلى أن البعثة الأممية تسعى لتضخيم قضية العملة المزورة، في حين أن الأهم هو محاسبة مصرف ليبيا المركزي عن التزاماته السابقة، خاصة بعد تعهده بحل أزمة السيولة مع نهاية شهر أكتوبر، وهو ما لم يتحقق.
وأضاف: “كيف يتم سحب 48 مليار دينار من السوق، بينما لا يتم ضخ سوى 3 مليارات فقط؟”. وتابع: “إذا كانت هناك عملة مزورة بالفعل، فيجب إحالة الملف إلى النائب العام، بدلاً من استخدامه كذريعة إعلامية للهروب من المساءلة”.
ووصف عبد القيوم إحاطة المبعوثة الأممية بأنها مخيبة للآمال، وافتقرت إلى الوضوح والتماسك، مشيراً إلى أن البعثة بدت تائهة أمام تعدد المسارات والمبادرات المطروحة، دون أي رؤية موحدة أو استراتيجية واضحة.
وأضاف أن تيتيه بدأت حديثها بالتأكيد على وجود خارطة طريق تحتاج فقط إلى إرادة سياسية لتنفيذها خلال شهرين، لكنها سرعان ما تناقضت بالإشارة إلى “خلافات منهجية” بين مجلسي النواب والدولة، مما حال دون تحقيق أي تقدم يُذكر، كما عرضت خمس مبادرات متفرقة دون أي ترابط بينها، مما يعكس تشتت البعثة وافتقارها للحلول الواقعية.
وبين الكاتب والمحلل السياسي، أن المبعوثة لم تكتف بعرض فشل خارطة الطريق، بل هددت باللجوء إلى مجلس الأمن في حال عدم نجاح البعثة في التوصل إلى توافق بين الأطراف الليبية، وهو ما يعد تنازلاً صريحاً عن مبدأ “الملكية الليبية للعملية السياسية”.
وأضاف: “كنا في السابق نسمع عن قلق الأمين العام للأمم المتحدة، أما اليوم فنحن من نشعر بالقلق وخيبة الأمل، بعدما اتضح أن البعثة لا تملك شيئاً حقيقياً لتقدمه. فالإحاطة الأخيرة كانت مثالاً على الفوضى السياسية والدبلوماسية التي تعيشها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا”.
وأعرب عبد القيوم عن دهشته من حديث المبعوثة عن انطلاق “الحوار المهيكل” في شهر نوفمبر، متسائلاً عن جدواه في ظل ضيق الوقت المتبقي، واصفاً هذا الطرح بأنه “مسار جديد بالكامل” سيدخل ليبيا في متاهة سياسية قد تستغرق عامين قبل الوصول إلى نتائج ملموسة.
وأكد أن تيتيه ابتعدت عن التركيز على مبادرة مجلسي النواب ومجلس الدولة، واختارت التنقل بين عدة مسارات متفرقة، من بينها مبادرة رئيس المجلس الرئاسي ومبادرة السفراء والحوار المهيكل، متسائلاً: “نحن كمواطنين ليبيين نسأل، عن أي من هذه المبادرات تطلب الدعم؟ وإذا كانت 4 مسارات مطروحة، فأيها يجب أن نصفق له؟”.
وأضاف أن المبعوثة انخرطت في قضايا تنفيذية لا تدخل ضمن اختصاصات بعثة الأمم المتحدة للدعم السياسي، مضيفًا: “البعثة الأممية ليست جهة تنفيذية، وكان عليها أن تلتزم بدورها السياسي دون التطرق لتفاصيل إدارية مثل إعادة تشكيل إدارة المفوضية”.
وفيما يخص اتفاق مجلسي النواب والدولة بشأن المناصب السيادية، تساءل عبد القيوم عن جدوى التوافق على المفوضية إذا لم يتم الاتفاق على القوانين المنظمة للانتخابات، مشيرًا إلى أن آخر قرار رسمي موثق هو تكليف نوري العبار، ما يثير التساؤلات حول الشرعية القانونية للمفوضية اليوم.
ورأى أن البعثة غرقت في تفاصيل ثانوية بدلًا من التركيز على أساس الأزمة، وهو غياب إطار دستوري وقانوني واضح للانتخابات، مضيفًا أن الحديث عن ملء شواغر إدارية لا يعالج جوهر المشكلة السياسية.
كما انتقد محاولة المبعوثة تحميل الشارع الليبي مسؤولية الضغط على السياسيين لدعم “خارطة الطريق” المزعومة، دون توضيح محتواها أو جدولها الزمني، معتبرًا أن الحديث عن أربع مبادرات دون تحديد مسار واضح هو ما يُدخل الشعب الليبي في متاهة.
وشدد عبد القيوم على أن البعثة فشلت في إدارة ملف خارطة الطريق، داعيًا الأمم المتحدة إلى تحديد موقفها بوضوح وطرح مسار واحد مدعوم بزمن محدد ورؤية قابلة للتطبيق. متوقعاً ألا يتجاوب الشارع الليبي مع دعوات دعم مبهمة ومشتتة، معتبراً أن الطرح الأممي الأخير بشأن فتح “منبر” للحوار ليس سوى نسخة مكررة من مبادرات سابقة أدت إلى ما وصفه بـ “الباب الدوار”، الذي يطيل أمد الأزمة دون تقديم حلول فعلية.
كما انتقد أداء البعثة، معتبراً خطابها الأخير “هزيلاً ومفككاً”، لا يرقى إلى حجم التحديات بعد 14 سنة من التعطل السياسي والانقسام المؤسساتي، وأضاف: كلما جاء ممثل من البعثة، يتحدث إلينا كما لو أننا سذج أو قصر، ويطرح كلاماً غير واضح أو غير قابل للتنفيذ، ثم يُطلب منا تفسير غموضه.
وأكد أن الحل في ليبيا يجب أن يكون داخليًا، ومرتكزًا على نقل حقيقي للسلطة من خلال عملية سياسية واضحة ومحددة المعالم، وليس الغرق في “تفاصيل شكلية” كالحديث عن الفساد وتشكيل اللجان، مشيرًا إلى أن “الليبيين يعرفون جيدًا من هم الفاسدون، وهم شخصيات ليبية تتبوأ مناصب السلطة”.
وأضاف عبد القيوم أن البعثة تتحدث عن محاربة الرشوة وتجنب المختنقات دون مشروع حقيقي لتجاوز الأزمة، قائلاً: “كلامها أقرب إلى الكلمات المتقاطعة، ويفتقر إلى التماسك أو الطرح الجاد، ما نريده واضح: إما أن تأتي بخارطة طريق عملية تقود إلى انتخابات، أو تقدم اعتذارًا رسميًا عن فشلها”.
وشدد عبد القيوم على ضرورة تحرك النخب الليبية نحو مسار واضح المعالم يحقق الانتقال السياسي، محذراً من الانجرار خلف مبادرات تفتقر إلى الجدية والواقعية، داعيًا إلى حل داخلي ليبي خالص بعيدًا عن الوصاية الدولية التي لم تُثمر سوى الانقسام والفشل السياسي.
وأضاف أن الليبيين أضاعوا الكثير من الوقت وارتكبوا أخطاء كبيرة، مؤكداً أن اللحظة الحالية تمثل فرصة حقيقية يجب عدم إهدارها، خاصة بعد دعوة القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر، للحوار الوطني لإقامة دولة مدنية تحكمها القوانين والمؤسسات، معربًا عن ضرورة أخذ هذا النداء على محمل الجد من قبل النخب السياسية.
وأشار إلى أن الدعم المقدم هذه المرة يختلف عن المحاولات السابقة، كونه مدعومًا بقوة عسكرية كبيرة تضمن تنفيذ الحل، داعيًا جميع الأطراف الوطنية، بما فيها غرب ليبيا، إلى تبني المبادرة والعمل على صياغة رؤية جامعة تمثل كل الأطراف.
هذا واقترح عيسى عبد القيوم منح النخب السياسية الليبية مهلة زمنية محددة لا تتجاوز عاماً واحداً لإنجاز حل وطني جامع، قائلاً: “لو كنت من غرب ليبيا، لكتبت ما يُمليه عليّ ضميري تجاه وطني، وقبلت بهذه الدعوة ما دامت تأتي مع ضمانات واضحة”.
وأكد أن التجارب السابقة أثبتت فشل الحلول المفروضة من الخارج، مستشهداً بتعاقب تسعة مبعوثين أمميين دون تحقيق أي نتيجة، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي سيضطر في النهاية إلى الرضوخ إذا ما لمس جدية حقيقية من الشارع الليبي والتفافاً شعبياً حول حل وطني.
كما تساءل عن الشريك السياسي الذي سيمثل الجبهة المقابلة في غرب ليبيا، مشدداً على ضرورة وجود ظهير سياسي جامع يقود هذا المسار ويدعمه، معتبراً أن مصير البلاد لم يعد يحتمل المزيد من التجاذبات العقيمة أو الشعارات الفضفاضة مثل “الحل التوافقي”، التي أثبتت السنوات الماضية فشلها الذريع.
وختم عبد القيوم حديثه بدعوة كافة الفرقاء إلى تحمّل مسؤولياتهم التاريخية والالتحام حول مشروع وطني واضح، محذراً من أن أي رفض لهذه المبادرة سيُعتبر تفريطاً في آخر فرصة حقيقية لإنقاذ ليبيا من متاهة امتدت لأكثر من 14 عاماً.









