اخبار مميزةليبيا

طلوبة: استقلالية المصرف المركزي شرط أساسي لنجاح الإصلاحات المالية

قدّم أستاذ الاقتصاد عبد اللطيف طلوبة تقييمًا متوازنًا لأداء محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، بعد مرور عام على توليه المنصب، معتبرًا أن بعض القرارات الأخيرة تُعد مؤشرات أولية على توجّه إصلاحي جاد، غير أن هذه الخطوات لا تكفي وحدها ما لم تُرافقها معالجة شاملة لجذور الأزمة، وفي مقدمتها الانقسام السياسي، وتراجع الثقة في النظام المصرفي، وتضارب السياسات الاقتصادية بين الأجسام المتوازية.

وفي تصريح لقناة “الوسط”، رصدته “الساعة 24″، أوضح طلوبة أن إجراءات المصرف، مثل إصدار شهادات المضاربة، والسعي لامتصاص الكتلة النقدية، والتوسع في خدمات الدفع الإلكتروني، تبدو في ظاهرها خطوات إيجابية نحو تحديث المنظومة المالية وتقليل الاعتماد على النقد الورقي. إلا أن فعاليتها تظل محدودة ما لم تُستكمل بإصلاحات أعمق تعالج بنية الاقتصاد وآليات تمويل المشاريع وتكفل استقلالية المصرف المركزي في قراراته.

وأشار طلوبة إلى أن البيئة السياسية المنقسمة تضعف أي جهد إصلاحي مهما كانت نواياه حسنة، ذلك أن المركزي لا يعمل في فراغ مؤسسي، بل في ظل دولة تعاني ازدواجية في الحكومات وتضاربًا في توجهات مؤسساتها، الأمر الذي يعرقل تنفيذ سياسات مالية موحدة وفعالة.

وشدّد أستاذ الاقتصاد على ضرورة ترميم الثقة بين المواطنين والمنظومة المصرفية، وإعادة بناء العلاقة بين المصارف التجارية والمودعين على أسس الشفافية والكفاءة وتوفير ضمانات الإيداع، مبينًا أن أي إصلاحات تقنية، مثل الدفع الإلكتروني أو الشهادات الاستثمارية، لن تحقق نتائج ملموسة إذا لم تُبنَ على قاعدة ثقة متينة.

وأضاف أن ليبيا لا تعاني من نقص في القوانين بقدر ما تعاني من غياب آليات تنفيذ فعّالة، مشيرًا إلى أن إصدار تشريعات لتجريم الاكتناز النقدي قد لا يؤدي إلى نتائج عملية في ظل ضعف الرقابة المؤسسية.

وفي هذا السياق، تساءل طلوبة عن كيفية مراقبة الأموال النقدية المتداولة خارج المصارف، مستفسرًا عمّا إذا كانت السلطات ستلجأ إلى تفتيش المنازل أو تحديد سقوف للسحب والإيداع، وهو ما وصفه بأنه “إجراء صعب التطبيق من الناحية العملية”.

كما أوضح أن بعض الدول تفرض على المودعين إثبات مصادر أموالهم عند الإيداع النقدي الكبير، لكن الحالة الليبية تختلف، لأن معظم المعاملات التجارية والمالية ما تزال تتم نقدًا وخارج الأطر الرقابية، ما يجعل تطبيق مثل هذه القوانين محدود الجدوى.

وحذّر أستاذ الاقتصاد عبد اللطيف طلوبة من أن محاولة مكافحة ظاهرة الاكتناز عبر القوانين والإجراءات العقابية قد تأتي بنتائج عكسية، إذ يمكن أن تدفع المواطنين إلى الاحتفاظ بأموالهم داخل المنازل بصورة أكبر، كما حدث – بحسب قوله – عقب فرض رسوم على السحب النقدي من المصارف، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة بدلًا من معالجتها.

واقترح طلوبة تبنّي سياسات تشجّع المواطنين على إعادة أموالهم إلى الجهاز المصرفي من خلال تقديم حوافز حقيقية، مثل الفوائد المجزية أو أدوات استثمارية مبتكرة، بدلًا من الاعتماد على القوانين أو الإجراءات القسرية.

وأشار إلى أن استعادة الثقة في النظام المصرفي لا تقع على عاتق مصرف ليبيا المركزي وحده، بل تتطلب تنسيقًا مؤسسيًا بين المصرف والحكومة والبرلمان وبقية المؤسسات الاقتصادية لضمان اتساق السياسات وتكامل الأدوار.

وأوضح طلوبة أن غياب الفرص الاستثمارية المحلية وتوسع الاستيراد غير المقيد يقللان من قدرة المواطنين على توظيف مدخراتهم في مشاريع إنتاجية، الأمر الذي يدفعهم إما للاكتناز النقدي أو لتحويل أموالهم نحو أنشطة تجارية سريعة العائد.

وبينّ أن قرار إلغاء الفوائد على الودائع منذ عام 2012 جعل من الاحتفاظ بالنقد خارج المصارف خيارًا منطقيًا بالنسبة لكثير من المودعين الذين لم يعودوا يرون فائدة عملية من الإيداع المصرفي.

وانتقد طلوبة ما وصفه بـ “تعنت البرلمان” في إقرار ميزانية موحدة للبلاد تتوافق مع المعايير التي يوصي بها المصرف المركزي، مشيرًا إلى أن البرلمان قدّم مقترحات لميزانيات غير واقعية لا تتلاءم مع حجم الاقتصاد الليبي، وهو ما أدى إلى تعطّل اعتماد ميزانية عام 2025 حتى الآن.

ورأى الخبير الاقتصادي أن على المصرف المركزي التمسّك بفرض معايير اقتصادية رشيدة تضمن ضبط الإنفاق العام وتطبيق سياسات تقشفية مدروسة، بهدف الحد من التضخم والسيطرة على عرض النقود والطلب على العملات الأجنبية.

كما دعا إلى مزيد من الشفافية من جانب المصرف المركزي عبر نشر بيانات مالية دورية وواضحة لتعزيز ثقة المواطنين والمؤسسات المحلية والدولية.

واختتم طلوبة بالتأكيد على أن نجاح أي إصلاح مالي مرهون بتعاون وثيق بين المصرف المركزي والحكومة لضبط الإنفاق ومكافحة التضخم، بما يضع الاقتصاد الليبي على مسار أكثر استقرارًا وتوازنًا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى