الخراز: لا خلاص لليبيا إلا بحل وطني داخلي بعيد عن الوصاية الدولية

اعتبر المحلل السياسي حمد الخراز أن حلم الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة في ليبيا لم يضِع بعد، مشيرًا إلى أنه تعرض للسرقة في الماضي القريب من قبل أطراف دولية استخدمت أدواتها داخل البلاد. وأوضح الخراز أن الثورة التي اندلعت في 2011 كانت لتغيير نظام مستبد لم يقدم أي خدمات للمجتمع، إلا أن بعض التدخلات الدولية ساهمت في استغلال طموحات الشعب لتحقيق أهداف خفية.
وأضاف الخراز في لقاء مع قناة “سلام” رصدته “الساعة 24″، أن بعض الشخصيات المحلية، التي جندت في الماضي، قامت بتغذية تنظيمات إرهابية وأطراف داخلية، ما أدى إلى استمرار محاولات حرمان الشعب من حقوقه، مؤكّدًا أن مسؤولية النخبة الليبية كبيرة في توجيه المواطنين نحو تحقيق مطالبهم المشروعة.
وأشار إلى أن الوضع الاقتصادي الصعب يعمّق الأزمة، إذ يعيش نحو 70 إلى 75% من الليبيين تحت خط الفقر، وهم غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية، ما يجعلهم عرضة لسياسات التحكم من قبل بعض الأطراف، مشبهاً ذلك بما كان يفعله النظام السابق من خلال السيطرة على السلع وعدم منح المواطنين حرية التصرف بأموالهم.
وأوضح أن الدعوة ليست إلى ثورة جديدة، بل إلى استخدام وسائل ضغط سلمية من خلال تحركات النخبة السياسية والمجتمع المدني والنقابات للتأثير على الأطراف السياسية والجهات الدولية بما فيها البعثة الأممية، بما يضمن خطة واضحة وبمدة زمنية محددة لإعادة الحقوق للمواطنين.
وقال المحلل السياسي، إن ليبيا لا تزال أمام فرصة لاسترجاع روح ثورة 2011، مؤكدًا أن تحقيق المطالب المشروعة يتطلب تحرك النخب الوطنية والالتزام بخطط سياسية واضحة، وهو السبيل نحو بناء دولة مؤسساتية وديمقراطية.
ورأى الخراز، أن ليبيا اليوم أمام خيارين رئيسيين: الأول يتمثل في توحيد القوة المالية داخليًا لإنتاج حل يرضي جميع الأطراف، بينما الثاني قد يؤدي إلى التقسيم المباشر للبلاد في حال استمرار إدارة الأزمة بنفس الوتيرة، مشددًا على ضرورة تفادي هذا السيناريو.
وأشار إلى أن الشعب الليبي يرفض أي شكل من أشكال القبضة الأمنية أو حكم الفرد، مؤكدًا أن ليبيا تحتاج إلى مشروع وطني يهدف لاسترداد كرامتها وسيادتها، بما يضمن قدرة المواطنين على المشاركة في اتخاذ القرار بشأن مستقبل الدولة.
وحول دور النخب الليبية، أوضح أن هناك نخب سياسية ومجتمعية مؤثرة، تشمل رؤساء أحزاب وأعضاء برلمان وشخصيات عامة، وهي نفسها التي قادت ثورة فبراير وشاركت في عملية الكرامة.
وبينّ أن التشكيك في وجود هذه النخبة غير دقيق، مشددًا على ضرورة أن تقوم هذه القيادات بدورها في تحقيق تداول سلمي للسلطة ومواجهة استمرار إدارة الأزمة من قبل البعثة الأممية، التي غالبًا ما تؤدي إلى إنشاء أجسام جديدة دون حل فعلي.
وأضاف أن النخبة قامت بدورها على مدى السنوات الماضية، لكنها اصطدمت بتدخلات بعض الأطراف ذات الولاءات الخارجية، ما أعاق تحقيق تقدم ملموس، مشيرًا إلى أن ليبيا لو لم تكن تمتلك هذه النخب المؤثرة لأفلست منذ فترة طويلة.
وشدد على أن الحل الحقيقي يكمن في تمكين الأطراف الوطنية الفاعلة واستعادة قدرة المجتمع الليبي على اتخاذ قراره، بما يضمن استقرار الدولة، وتجنب سيناريو الانقسام السياسي.
وأشار إلى أن ليبيا ما زالت تعاني من بعض التبعات الفكرية والاجتماعية التي خلفها النظام السابق، موضحًا أن حكمًا استمر لأكثر من أربعة عقود من الطبيعي أن يترك آثارًا عميقة على ذهنية المجتمع ومؤسساته. ومع ذلك، عبّر الخراز عن تفاؤله بمستقبل البلاد، معتبرًا أنها قادرة على تجاوز هذا الإرث وبناء الدولة المدنية الحديثة التي يطمح إليها الجميع.
وأضاف أن بقايا تأثير النظام السابق لا تزال حاضرة في سلوك بعض النخب الوطنية، إلا أن هذه النخب، رغم حالة الخمول التي تمر بها، ما زالت تملك القدرة على إحداث التغيير واستعادة القرار الوطني الليبي. وأشار إلى أن ليبيا تمتلك شخصيات فاعلة ومؤثرة في المجتمع المدني، قادرة على صياغة مشروع وطني مستقل يعيد السيادة إلى الليبيين.
وفي معرض حديثه عن دور البعثة الأممية، شدد الخراز على أن انتظار الحلول من الخارج أثبت فشله منذ عام 2011، حيث لم ينتج سوى المزيد من الأزمات وإطالة أمد الصراع. داعياً إلى ضرورة توحيد الجهود الوطنية بعيدًا عن البعثة الأممية، من خلال توافق القوى المحلية الفاعلة لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
كما أشار إلى أن الانقسام داخل مجلس الأمن الدولي زاد من تعقيد المشهد الليبي، لافتًا إلى أن مجلسي النواب والدولة عادا ليمثلا جزءًا من الأزمة بدلاً من أن يكونا جزءًا من الحل، داعيًا إلى تجاوزهما عبر عملية انتخابية حرة تُمكّن الشعب من اختيار ممثليه في السلطتين التشريعية والتنفيذية.
واكد على أن ليبيا تمتلك طاقات اقتصادية ونخبًا فكرية قادرة على قيادة مرحلة جديدة من الاستقرار، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والتوافق الوطني الحقيقي.
واعتبر أن مستقبل ليبيا يعتمد على تضافر جهود جميع القوى الوطنية، مشددًا على أن التعويل الأكبر يجب أن يكون على المكونات الداخلية، خصوصًا الطبقة الحاكمة في البلاد، بما في ذلك الحكومتان في الشرق والغرب، ومجلسا النواب والدولة.
وأوضح ، في ختام حديثه، أن الحل الليبي يجب أن ينبع من الداخل، وجلوس هذه الأطراف على طاولة حوار مستديرة تتخلى فيها عن الولاءات الخارجية، مبيناً أن أي حوار وطني حقيقي سينتج نتائج أفضل بكثير مما أنتجته البعثة الأممية خلال السنوات الماضية.
وانتقد استمرار الارتهان للبعثة الأممية، مؤكدًا أنه بعد أكثر من عشر سنوات لم يتحقق أي من أهداف ثورة فبراير، التي خرج الليبيون من أجلها مطالبين بالأمن والعدالة والمساواة وتداول السلطة وبناء مؤسسات الدولة.
وختم الخراز بالتأكيد على أن الوقت لم يعد في صالح الليبيين، داعيًا القوى الوطنية إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية في كتابة فصل جديد لمستقبل البلاد بعيدًا عن التدخلات الدولية.









