ليبيا

الديباني: فبراير ليست مؤامرة والثورات بطبيعتها “مخاض”

قال الباحث والمحلل السياسي عبدالله الديباني إن إعلان “تحرير ليبيا” عام 2011 مثّل نهاية النظام السابق، لكنه لم يشكّل بداية حقيقية لبناء الدولة الجديدة، مشيرًا إلى أن البلاد ما زالت بعد 14 عامًا تعيش في مرحلة انتقالية ممتدة لم تتضح ملامح نهايتها بعد.

وأوضح الديباني في حديث لقناة “الوسط” ,رصدته “الساعة 24” أن المرحلة التي تلت سقوط النظام السابق شهدت انقسامًا حادًا بين القوى التي توحدت لإسقاطه، إذ سرعان ما تحوّل هذا التوحد إلى صراع على النفوذ والمصالح، مما أدخل البلاد – بحسب وصفه – في “دوامة الإرهاب والجريمة المنظمة وتنامي الجماعات المتطرفة التي سعت لتقسيم ليبيا إلى إمارات ومناطق نفوذ”.

وأضاف أن الانقسام المؤسسي بين الشرق والغرب، وتعدد الحكومات والبرلمانات المتنافسة على الشرعية، أدّى إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وخلق حالة من الفوضى السياسية والأمنية، لافتًا إلى أن شعارات التحرير والوحدة الوطنية تحوّلت إلى مجرد “رموز سياسية عاطفية لا تعكس واقعًا ملموسًا”.

وأكد أن الأزمة في ليبيا ليست أزمة أنظمة فحسب، بل أزمة ثقافة سياسية، موضحًا أن جميع التجارب السياسية السابقة – بما فيها النظام السابق – افتقدت إلى الرؤية القانونية والواقعية لبناء دولة المؤسسات. ودعا إلى ضرورة تبنّي ثقافة جديدة تؤمن بالمواطنة، وسيادة القانون، والحقوق الأساسية، والحريات العامة.

وانتقد استمرار الصراع على السلطة بين أطراف سياسية وصفها بأنها “تبحث عن البقاء لتحقيق مصالحها الخاصة”، مشيرًا إلى أن بعض السياسيين “حوّلوا الوطنية إلى شعارات تُستخدم لتوزيع الولاءات والمناصب، بدلًا من أن تكون التزامًا حقيقيًا تجاه الوطن”.

وتابع بالقول: إن ليبيا ما زالت في مخاض صعب، وإن مصطلح “التحرير” لا يمكن استخدامه إلا عندما تستعيد البلاد وحدتها واستقرارها الفعلي، مشددًا على أن طريق الخلاص يبدأ من بناء مؤسسات الدولة على أسس المواطنة والعدل والمساءلة.

وأضاف أن الحديث عن المصالحة الوطنية في ليبيا لا يمكن أن يكون “مجرد تمجيد لمرحلة أو نظام”، بل يجب أن يقوم على الاعتراف بالحقوق وإنصاف المظلومين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، مؤكدًا أن العدالة لا تسقط بالتقادم.

وأوضح المحلل السياسي أن النظام السابق “لم يكن مثاليًا كما يُصوَّر”، بل كان – بحسب قوله –” مسؤولًا عن فجوة كبيرة بين الشعب ومؤسسات الدولة”، مشيرًا إلى أن الصف الأول من المسؤولين في النظام الجماهيري هم من تسببوا في عزلة القذافي عن الواقع، وكانوا يقدمون له صورة مزيفة عن رضا الشعب واستقراره.

وأشار إلى أن كثيرًا من رموز ذلك النظام أنفسهم انخرطوا بعد 2011 في المشهد السياسي الجديد، وتولّى بعضهم مناصب وزارية ودبلوماسية وحتى داخل المؤسسات الليبية، معتبرًا أن هذا يوضح أن الصراع في ليبيا ليس بين أنظمة، بل بين مصالح ونخب لم تتغير.

وأكد أن المصالحة الحقيقية يجب أن تشمل جميع المراحل، بدءًا من العهد الملكي مرورًا بالنظام الجماهيري وصولًا إلى ما بعد ثورة فبراير، على أن يُعطى كل ذي حق حقه. مبيناً أن من ارتكب جرائم يجب أن يُحاسب، ومن ظُلِم يجب أن يُنصف، لأن المصالحة لا يمكن أن تبنى على إنكار المظالم.

ورفض وصف ثورة فبراير بالمؤامرة، معتبرًا أنها كانت نتيجة طبيعية لحالة الاحتقان الشعبي والفراغ بين الحاكم والمحكوم، مشيراً إلى أن التدخل الأجنبي جاء بعد خروج الليبيين بالملايين إلى الشوارع، لا قبله. لكنه أقرّ بأن المرحلة اللاحقة شهدت أخطاء كبيرة وصراعات داخلية أدت إلى الفوضى وتسلل الجماعات المتطرفة واغتيال النشطاء والصحفيين.

وأشار إلى أن ليبيا تعيش اليوم حالة من الاستنزاف السياسي والاقتصادي بسبب استمرار الفساد والصراع على السلطة بين من وصفهم بـ«المنتفعين من الانقسام»، مؤكدًا أن «المواطنة والعدالة هما الأساس لأي مشروع وطني جديد».

واعتبر أن المصالحة تتطلب شجاعة في الاعتراف بالأخطاء المتبادلة، وأنها لا تعني التسامح دون عدالة، بل “أن يجلس الجميع على طاولة واحدة، يُعاد فيها الحق إلى أصحابه، ويتبادل فيها الليبيون الاحترام والاعتراف بالمسؤولية”، معتبرًا أن هذا هو الطريق الوحيد لـ “استعادة ليبيا دولةً موحدة قائمة على المواطنة والكرامة”.

وبيّن أن ليبيا تواجه اليوم تحديات كبيرة نتيجة الصراعات الإقليمية والدولية ووجود قوات أجنبية ومرتزقة على أراضيها. لافتاً إلى أن تحقيق حل سياسي حقيقي في ليبيا لا يمكن أن يقوم على مصالح خارجية تُسوى على حساب السيادة الوطنية.

وأضاف أن الثورات بطبيعتها مرحلة مخاض، وأن نجاحها يعتمد على تأسيس مؤسسات الدولة المدنية وضمان الحقوق والمواطنة للجميع، محذرًا من أن الفشل في ذلك قد يؤدي إلى انقسامات دائمة أو تقسيم الدولة. مشدداً على أن ليبيا اليوم بحاجة إلى حوار وطني صادق يُعيد الحقوق لأصحابها، ويجمع الليبيين حول مشروع وطني مشترك بعيدًا عن المصالح الشخصية أو التحيز التاريخي.

ورأى أن مستقبل الدولة الليبية يعتمد على النخب الوطنية المخلصة للوطن، بعيدًا عن أي تطرف فكري أو ولاءات لأنظمة معينة. وأوضح أن هذه النخب يجب أن تكون: مؤمنة بالمواطنة، وملتزمة بالمؤسسات الوطنية، مثل الجيش والشرطة والمؤسسات السيادية، لضمان استقرار الدولة ووحدتها.

وشدد على أن التطرف الفكري أو الولاء الأعمى لأنظمة معينة يعادل التطرف الديني في تأثيره السلبي على المجتمع والدولة، مؤكدًا أن الحل يكمن في نخب وطنية مسؤولة وملتزمة بالمصلحة العامة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى