ليبيا

بن خيال: فاجعة بنغازي جرس إنذار لإنقاذ الأسرة من دوامة العنف 

أكد الناشط الحقوقي، علي بن خيال، أن قضية مقتل المواطن حسن الزوي وأطفاله السبعة في مدينة بنغازي، تمثل جريمة بشعة وانتهاكاً صارخاً لحقوق الطفولة، مشيرا إلى أنها تُعد من أكثر القضايا المأساوية التي هزّت وجدان الليبيين وأثارت الرأي العام بشكل واسع.

وقال بن خيال، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24” إن وزارة الداخلية ومديرية أمن بنغازي، باشرتا التحقيقات الأولية بإشراف مباشر، موضحاً أن نتائج الطب الشرعي أكدت فرضية انتحار الأب بعد قتله لأطفاله السبعة، وأضاف أن هذه الجريمة، رغم كونها قضية جنائية بحتة من اختصاص الجهات الأمنية، إلا أنها في جوهرها قضية إنسانية وحقوقية تستدعي الوقوف عندها بجدية، والبحث في الأسباب الاجتماعية والنفسية التي دفعت إلى ارتكاب مثل هذا الفعل المأساوي.

وحذر الناشط الحقوقي، من أن حوادث العنف الأسري في البلاد تشهد تزايداً مقلقاً منذ عام 2011، وأشار إلى أن دراسات ميدانية سابقة كشفت عن انتشار كبير للعنف المنزلي بأشكاله المختلفة، مشددا على أهمية أن تعمل الجهات الرسمية والمجتمع المدني معاً لتوفير وسائل اتصال فاعلة وأكاديميين مختصين للتدخل المبكر في حالات البلاغات المتعلقة بالعنف الأسري.

وأكد أن الحماية يجب أن تشمل كل أفراد الأسرة دون استثناء، داعيا إلى ضرورة إرساء منظومة أمنية واستباقية تُمكّن من الكشف المبكر عن حالات العنف قبل تطورها إلى كوارث مأساوية كالتي شهدتها بنغازي.

وأوضح بن خيال، أن ما ورد على لسان إحدى خالات الأطفال المقتولين، بشأن أحكام قضائية لم تُنفذ يمثل أمراً خطيراً يستوجب فتح تحقيق شامل تشرف عليه النيابة العامة لمعرفة أسباب التقاعس والجهات المتورطة فيه، متابعا أن ما ذكرته خالة الأبناء حول وجود أحكام لم تُنفذ يجب أن يُضم إلى التحقيق المفتوح حالياً، وعلى الجهات المختصة أن تتحقق من صحة هذه الأقوال، ومن جميع الأسماء والصفات الواردة في القضية، لمعرفة من تقاعس عن تنفيذ الأحكام ولماذا؟ وتابع أن القضية أخذت طابع الرأي العام، خصوصاً أن المرحوم حسن لا تزال قضيته تُثار في الشارع بين من يعتبرها جريمة قتل ومن يرى أنها حالة انتحار، مؤكداً أن الرأي العام ينتظر نتائج تحقيق نزيه وشفاف يجيب عن كل التساؤلات.

وشدد بن خيال، على أن القضية تتطلب تحقيقاً متكاملاً يشمل تقرير الطب الشرعي والتحقيق مع الجهات التي تأخرت أو قصّرت في أداء واجبها، بما في ذلك التحقيق مع الخالة نفسها لما أدلت به من تصريحات مهمة، على أن تُعرض نتائج التحقيق في مؤتمر صحفي رسمي توضح فيه النيابة العامة ملابسات القضية للرأي العام.

ولفت بن خيال، إلى أن هذه القضية تمس المجتمع بأكمله، معتبراً إياها مؤشراً على ضرورة مواكبة إعادة الإعمار المادي بإعمار بشري، يعيد تأهيل المواطنين بعد سنوات الحرب، خصوصاً في مدينة بنغازي التي عانت من صراعات طويلة تركت آثاراً نفسية واجتماعية عميقة.

وأوضح أن غياب المنابر الحقوقية الفاعلة يترك المواطن في مواجهة مباشرة مع تقاعس بعض الجهات مثل مراكز الشرطة أو الأجهزة القضائية، دون وجود جهة بديلة يمكن اللجوء إليها، داعيا إلى إنشاء منبر حقوقي مستقل يستطيع المواطن من خلاله تقديم شكاواه في حال عدم تجاوب الجهات الرسمية، على أن تُحال هذه الشكاوى إلى المستويات العليا في الدولة لضمان تنفيذ الأحكام وتحقيق العدالة.

وحذر بن خيال، من أن استمرار التقاعس الداخلي في إنصاف المواطنين قد يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية في الشأن القضائي الليبي، مؤكداً ضرورة الحفاظ على سيادة القضاء الوطني من خلال إصلاح المؤسسات وتحقيق العدالة داخل البلاد، لأن التعامل مع القضايا الجنائية يجب أن يكون من خلال الجهات المختصة فقط، ومشدداً على أن النيابة العامة هي الجهة الوحيدة المخوّلة بإعلان نتائج التحقيقات والتثبت من صحة الاعترافات، وليس أي جهة أمنية أو استدلالية أخرى.

وأوضح الناشط الحقوقي، أن ما قام به مدير مديرية أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي من إجراءات أولية يندرج ضمن تهدئة الرأي العام وطمأنته، لكنه شدّد على ضرورة عدم تضخيم الروايات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لأن التسرع في الحكم أو تبني روايات غير رسمية يفتح الباب أمام الفوضى والبلبلة – بحسب رأيه، مبينا أن التفاعل الشعبي مع القضية الأخيرة يعكس حالة الصدمة المجتمعية، داعياً إلى التعامل معها بعقلانية ووعي حقوقي، مؤكداً أن الحادثة – رغم مأساويتها – تظل قضية جنائية بحتة، ويجب ألا تُستغل سياسياً أو اجتماعياً.

ودعا بن خيال، إلى إعادة تفعيل الشرطة الأسرية وتخصيص خط للتبليغ عن العنف الأسري، إلى جانب تدريب كوادر مؤهلة للتعامل مع هذه القضايا بحس إنساني ومهني، منتقدا في الوقت نفسه التفاوت في تعامل المراكز الأمنية مع شكاوى العنف داخل الأسرة، وأشار إلى أن قضايا عقوق الوالدين، تحظى بجدية أكبر من شكاوى الأبناء ضد ذويهم، مشددا على ضرورة الانتقال نحو منظور الأمن المجتمعي الاستباقي، الذي يقوم على الرصد المبكر والتأهيل النفسي والاجتماعي للأسر، مشيراً إلى أن تحقيق الأمن الحقيقي لا يعني انتهاك الخصوصية، بل حماية المجتمع من الانهيار – حسب رأيه.

كما رأى الناشط الحقوقي، أهمية إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين المؤسسات الأمنية والمجتمع بما يضمن تعزيز الأمن داخل البيوت وليس خارجها فقط، مشددا على ضرورة إطلاق برامج إنسانية في مدن مثل بنغازي ودرنة وسرت، معتبراً أن المواطن هو أساس الدولة، وأي تجاهل لاحتياجاته هو تجاهل لقيام الدولة نفسها، كما طالب بإعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية التي تعيق الإبلاغ عن الانتهاكات الأسرية مثل الحشمة والعيب، مؤكداً أن الوقت قد حان لفرض سيادة القانون وضمان حق المواطن”، حتى يشعر المواطن أن هناك مؤسسات قادرة على حمايته حتى من أقرب الناس إليه إن لزم الأمر.

وفي ختام حديثه، دعا بن خيال إلى اعتماد منهجية استباقية في التعامل مع الأزمات الأسرية عبر رصد الحالات النفسية والسلوكية التي قد تنذر بالخطر، مشيراً إلى أن ما يحدث داخل بعض البيوت يحتاج إلى وقفة وطنية جادة، فـالقضية ليست أمنية فقط، بل إنسانية في المقام الأول.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى