بوزعكوك: الدفع الإلكتروني زاد أعباء التجار ورفع الأسعار للمستهلك

اعتبر المهتم بالشأن الاقتصادي، خالد بوزعكوك، أن الفجوة الكبيرة في سعر الصرف، ناتجة عن نقص السيولة النقدية المتوفرة في السوق.
وأوضح أن التجار، خصوصًا المتعاملين مع السوق الموازي، لا يحصلون على السيولة الكافية من المصارف، مما يدفعهم للجوء إلى القنوات غير الرسمية لشراء الدولار.
وأشار بوزعكوك، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن أغلب المعاملات مؤخرًا تتم عبر أنظمة الدفع الإلكتروني، ما يعني أن السيولة الفعلية غير متاحة للسحب المباشر، الأمر الذي زاد اعتماد التجار على السوق الموازي لتلبية احتياجاتهم.
وبين أن الفرق بين السعرين تجاوز 20%، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم، مؤكداً أن المواطن هو المتضرر الأول من هذه الفجوة.
ولفت إلى أن الإجراءات الأخيرة، التي نفذها محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، لم تحل المشكلة، بل زادت الوضع تعقيدًا، موضحًا أن السوق الموازي يسيطر على سعر الدولار منذ عام 2011 بدعم من تطبيقات التحويل الإلكتروني التي تسهّل تداول العملة خارج الأطر الرسمية.
وأكد أن سحب الفئات النقدية الجديدة، مثل فئة العشرين دينارًا، دون توفير كميات كافية في المصارف، أدى إلى تفاقم أزمة السيولة، منوهاً إلى أن السيطرة على المضاربة في السوق الموازية تتطلب وقتًا وحلولاً نقدية عاجلة، مشددًا على أن القرار الذي ألزم المحلات باستخدام وسائل الدفع الإلكتروني أثر سلبًا على المحلات الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر للبنية التحتية والخبرة، بينما استفادت المولات الكبرى، ما رفع الأسعار نتيجة تحميل تكاليف الدفع الإلكتروني مباشرة على المستهلك، وأصبحت السلة الغذائية تمثل نحو 65% من قيمة المرتبات مقارنة بـ 35% قبل ثلاث سنوات.
وأكد بوزعكوك، أن التجارب في مصر وليبيا أظهرت أن التجار الذين يستخدمون الدفع الإلكتروني يحصلون على أولوية في السيولة والاعتمادات، إلا أن ضعف التطبيق حال دون استفادة السوق بشكل كامل.
وأضاف أن حجم النقد المتداول خارج النظام المصرفي تجاوز 65 مليار دينار، مقارنة بالمستوى الطبيعي الذي لا يتعدى 5 مليارات، وأن بعض التجار يحتفظون بمبالغ ضخمة تصل إلى 200 مليون دينار لكل منهم، مما يشكل خطرًا على الأمن القومي.
ولفت بوزعكوك إلى أن فقدان الثقة بين المواطنين والمصارف، إلى جانب تفشي الفساد وسوء الرقابة، يمثل جوهر الأزمة، مشيرًا إلى صدور 176 أمر قبض بحق موظفين مصرفيين تورطوا في اختلاسات مالية، بعضها تجاوز 300 مليون دينار، وأن الانقسامات السياسية والأمنية وفرت بيئة خصبة للاحتيال وغسل الأموال وتهريبها إلى الخارج.
كما شدد على أن ضعف القطاع المصرفي دفع المواطنين للاحتفاظ بالنقود في المنازل، رغم أن المصرف المركزي ضخ أكثر من 1.3 مليار دينار في المنطقة الشرقية لم تُصرف فعليًا بسبب احتجاز الأموال خارج النظام المالي.
وعن الحلول، دعا بوزعكوك إلى تحسين الرقابة على المصارف وإعادة هيكلتها، واستقطاب الكفاءات، والاستفادة من التجارب الدولية في إدارة الأزمات النقدية، مثل فنزويلا والأرجنتين وإسبانيا، كما أكد على توسيع خدمات الصراف الآلي لتسهيل الوصول إلى السيولة وتقليل الضغط على الفروع.
وفي حديثه عن مستقبل الاقتصاد الليبي، ذكر بوزعكوك أن الاقتصاد ما زال “ريعيًا” يعتمد على النفط والغاز، دون هوية اقتصادية واضحة بين الاشتراكية والرأسمالية، داعيًا إلى تحديث القوانين الاقتصادية ودعم بيئة الاستثمار وتنويع مصادر الدخل في الزراعة والصناعة والسياحة، مؤكدًا أن ليبيا تمتلك موارد ضخمة غير مستغلة يمكن تطويرها في ظل الاستقرار النسبي الحالي.
وشدد على أهمية مشاريع البنية التحتية وربط المدن الليبية بشبكات نقل دولية، مثل مشروع الطريق بين بنغازي والكفرة وصولًا إلى تشاد، لتعزيز التجارة وإعادة التصدير. كما اعتبر أن قانون الاستثمار رقم 9 لسنة 2010 يمثل أساسًا لجذب الاستثمارات، داعيًا إلى تعديله ليتوافق مع المرحلة الراهنة وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص، وذكر أن مشاريع استثمارية جديدة، مثل مصانع السيارات والحديد والصلب والأسمنت، قيد الدراسة بالتعاون مع شركات صينية ودولية.
وتطرق بوزعكوك إلى قطاعات السياحة والرياضة، معتبرًا أنها يمكن أن تصبح مصدرين رئيسيين للدخل الوطني، مؤكداً أهمية تحويل ليبيا إلى أقاليم اقتصادية متخصصة حسب طبيعة كل منطقة. كما أشار إلى قطاع التعليم الطبي الخاص في بنغازي، الذي يستقطب آلاف الطلاب الأجانب، ما يعزز مكانة المدينة كمركز إقليمي للتعليم والعلاج.
ونوه بوزعكوك، بأن ليبيا، رغم مرور أكثر من ستين عامًا على إنتاج النفط، لا تزال تستورد 95% من احتياجاتها من الوقود، داعيًا إلى تطوير المصافي المحلية والصناعات البتروكيماوية لزيادة القيمة المضافة وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة، مؤكداً أن استقرار الاقتصاد الليبي مرتبط بالإصلاح المؤسسي والشفافية والثقة بين المواطن والمصرف.









