الشريف: إنشاء المحكمة الدستورية العليا خطوة تطويرية لتعزيز استقلال القضاء

اعتبر المستشار سالم الشريف رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، أن إنشاء المحكمة الدستورية العليا، بموجب القانون رقم (5) لسنة 2023م، يُعد خطوة تنظيمية وتطويرية تهدف إلى تعزيز استقلال القضاء الدستوري في ليبيا، وليس تدخلاً من السلطة التشريعية في عمل السلطة القضائية.
وأوضح الشريف، في حديث لقناة “الوسط”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن فكرة المحكمة الدستورية، ليست جديدة في ليبيا، بل تعود جذورها إلى دستور عام 1951، حين أُنشئت المحكمة العليا بموجب قانون المحكمة الاتحادية العليا في نوفمبر 1953، وكانت تمارس اختصاصًا مزدوجًا كمحكمة نقض ومحكمة دستورية، كما كانت تمارس رقابة سابقة على التشريعات للتأكد من مطابقتها للدستور قبل إصدارها.
وأضاف أن القضاء الدستوري الليبي مرّ بعدة مراحل تنظيمية، من بينها صدور القانون رقم 6 لسنة 1982 الذي أعاد تنظيم المحكمة العليا، ثم تعديله في قوانين لاحقة مثل القانون رقم 17 لسنة 1994، والقانون رقم 8 لسنة 2004، وأخيرًا القانون رقم 33 لسنة 2012 الذي أضاف اختصاصات جديدة تتعلق بالرقابة الدستورية.
وأشار الشريف، إلى أن هذا التطور التاريخي يؤكد أن القضاء الدستوري في ليبيا نشأ بموجب تشريعات صادرة عن السلطة التشريعية، وليس بناءً على نصوص دستورية صريحة، نظرًا لتعطل الدساتير المتعاقبة أو غيابها في بعض الفترات.
وبيّن أن إنشاء المحكمة الدستورية العليا الجديدة، جاء استجابةً لحاجة الدولة إلى سلطة قضائية متخصصة ومستقلة في الفصل في النزاعات الدستورية، أسوةً بما هو معمول به في معظم دول العالم، حيث توجد محاكم دستورية مستقلة عن القضاء العادي وقضاء النقض. كما أشار إلى أن هناك اتجاهًا قريبًا لإنشاء محكمة إدارية عليا، لفصل القضاء الإداري عن القضاء العادي، في خطوة تهدف إلى تطوير المنظومة القضائية بشكل شامل.
وحول المعايير التي تُحدد مدى دستورية القوانين، أوضح الشريف، أن المحكمة الدستورية العليا تستند إلى نصوص الدستور في مواجهة النصوص التشريعية، بحيث تُقيّم مدى توافق القوانين مع المبادئ الدستورية العامة، مثل مبدأ المساواة، حرية الفكر، حرية التنقل، وحقوق المواطنة، وهي مبادئ تضمنها الإعلان الدستوري الليبي الصادر عام 2011 وتعديلاته المتعددة.
وأضاف أن مجلس النواب، باعتباره السلطة التشريعية الوحيدة المنتخبة من الشعب، يملك بموجب الإعلان الدستوري صلاحية تنظيم عمل السلطات الأخرى تشريعيًا، بما في ذلك القضاء، مشددًا على أن إصدار قانون المحكمة الدستورية لا يُعد تدخلاً في القضاء، بل هو تنظيم تشريعي لاختصاصاته.
وتابع: الجدل القائم حول المحكمة الدستورية، يجب أن يُفهم في سياق تطوير النظام القضائي، لا في سياق الصراع بين السلطات، داعيًا إلى احترام مبدأ الفصل بين السلطات وتكامل أدوارها بما يخدم استقرار الدولة وسيادة القانون.
وكشف الشريف، أن المحكمة الدستورية العليا، المنشأة بموجب القانون رقم (5) لسنة 2023، هي هيئة قضائية مستقلة تمامًا عن المجلس الأعلى للقضاء وعن بقية سلطات الدولة، مبيناً أن اختصاصها يقتصر على الرقابة على دستورية القوانين والتشريعات، بما في ذلك تلك الصادرة عن مجلس النواب نفسه.
ولفت إلى أن القانون رقم (5) أجرى تعديلًا جوهريًا على النظام القضائي القائم، حيث ألغى تسمية المحكمة العليا واستبدلها بمحكمة النقض، كما أنهى ولاية الدائرة الدستورية التي كانت تتبع المحكمة العليا سابقًا، ونقل جميع الطعون والطلبات الدستورية غير المفصول فيها إلى المحكمة الدستورية العليا بحالتها، دون رسوم إضافية.
وقال إن هذا يعني أن اختصاص الدائرة الدستورية انتهى فور صدور القانون، وبالتالي فإن أي أحكام تصدر عنها بعد ذلك التاريخ تُعتبر صادرة عن جهة فقدت ولايتها القضائية، ولا ترتب أي حجية قانونية أو أثر ملزم.
وشدد المستشار سالم الشريف، على أن الحديث في هذا الملف يجب أن يكون بمنطق القانون لا بمنطق السياسة، مؤكدًا أن كل قانون يصدر بشكل صحيح في إجراءاته وشكلياته يكون نافذًا وملزمًا للجميع إلى أن يُقضى بعدم دستوريته من قبل الجهة المختصة، وهي المحكمة الدستورية العليا وحدها.
وحسب الشريف، فإن احترام الشرعية القانونية يقتضي من جميع المحاكم، مهما كانت درجتها، الالتزام بتطبيق القوانين السارية، مشيرًا إلى أن ليبيا شهدت سابقًا حالات عدم تنفيذ بعض القوانين الصادرة عن مجلس النواب، مثل القانون رقم (6) لسنة 2014 الذي نصّ على نقل مقر المحكمة العليا إلى مدينة البيضاء ولم يُنفذ، معتبرًا ذلك سابقة في عدم احترام التشريعات.
وتابع موضحًا أن القانون رقم (5) رسم طرقًا واضحة للطعن في دستورية القوانين، سواء عبر الحكومة أو مجلس النواب أو الأفراد، فالحكومة يمكنها التقدم بدعاوى دستورية بواسطة رئيسها أو عشرة من وزرائها، كما يحق لرئيس مجلس النواب أو عشرة نواب، رفع دعاوى مباشرة أمام المحكمة الدستورية العليا، للطعن في القوانين التي يُرى أنها تخالف الدستور. أما الأفراد، فيحق لهم إثارة الدفع بعدم الدستورية، أثناء نظر دعاواهم أمام القضاء العادي، وإذا تبينت جدية الدفع، يُحال الطعن إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات تضمن التوازن بين حق المواطن في الطعن وحق المؤسسات في الرقابة، مؤكدًا أن المحكمة الدستورية العليا مفتوحة أمام جميع الليبيين دون استثناء، وأنها الجهة الوحيدة المخولة قانونًا بالفصل في دستورية القوانين والقرارات.
وفي ختام حديثه، تطرق الشريف، إلى تاريخ الدائرة الدستورية السابقة بالمحكمة العليا، موضحًا أنها كانت تُعطل وتُفعّل وفق اعتبارات ظرفية، وتُستخدم أحيانًا في سياقات سياسية ضيقة، مستشهدًا بحكمها الصادر عام 2014 الذي قضى بعدم شرعية جلسات مجلس النواب في طبرق، ما أدى إلى انقسام المؤسسات السياسية آنذاك. داعياً إلى ضمان استقلال القضاء الدستوري الجديد عن أي تجاذبات سياسية، حتى لا تتكرر تلك التجربة.









