اخبار مميزةليبيا

الحاراتي: تمسك القضاء الليبي باختصاصه يمنع تدخل الجنائية الدولية

اعتبر المستشار القانوني والناشط الحقوقي هشام الحاراتي أن تقرير المحكمة الجنائية الدولية رقم (30) بشأن ليبيا، ورغم إشارته إلى قرب استلام أحد المتهمين الذي ألقت السلطات الألمانية القبض عليه، لا يمكن اعتباره إنجازًا نوعيًا كما روّجت بعض الأطراف، مؤكدًا أن حجم الجرائم المرتكبة في البلاد خلال أربعة عشر عامًا يجعل من هذه الخطوة مجرد “إجراء محدود” لا يرقى إلى مستوى الاحتفاء.

وقال الحاراتي، في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها الساعة24، إن تحقيق العدالة وتعزيز المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب تمثل ركائز أساسية لبناء الدولة، مشددًا على ضرورة دعم كل الخطوات العملية التي تقود إلى نتائج ملموسة في ملف العدالة الجنائية. غير أنه أوضح أن الواقع الليبي يظهر “فجوة هائلة” بين حجم الجرائم الموثقة وبين ما تُعلنه المحكمة الجنائية الدولية من تحركات.

وأشار إلى أن المحكمة، رغم إصدارها ثلاثين تقريرًا خلال السنوات الماضية، لم تُسفر جهودها إلا عن أوامر قبض بحق نحو عشرة متهمين فقط، من بينهم خالد الهيشري وستة مطلوبين في قضايا المقابر الجماعية، بينما لا يزال العديد من المتورطين في جرائم القتل والإخفاء القسري والتعذيب والجرائم ضد الإنسانية خارج دائرة الاهتمام.

وبيًن أن مطالبات مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة، الطاهر السني، بترك اختصاص الملاحقة والمحاسبة للسلطات القضائية الليبية “مطالبات وجيهة” تستند إلى مبدأ راسخ في القانون الدولي، وهو اختصاص القضاء الوطني كجهة أصلية للنظر في الجرائم الواقعة داخل الإقليم الليبي.

وأضاف أن تمسك ليبيا بهذا الاختصاص يأتي أيضًا انسجامًا مع مبدأ التكاملية الذي يقوم عليه نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، والذي يجعل من المحكمة جهة مكملة لا بديلة عن القضاء المحلي.

ولفت إلى أن المحكمة الجنائية الدولية لا تتدخل إلا إذا ثبت عجز السلطات الوطنية عن ممارسة مهامها في التحقيق والمحاكمة وإنزال العقوبات بحق الجناة. غير أنه أقرّ بأن السؤال الجوهري يتعلق بمدى قدرة القضاء الليبي اليوم على استكمال حلقات العدالة في أي ملف من ملفات جرائم الحرب.

وأشار إلى أن مكتب النائب العام بذل جهودًا واسعة في ملفات عدة، من بينها جرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسري والفساد وشبكات الجريمة العابرة للحدود، إلا أن هذه الجهود ما تزال محدودة – بحسب تعبيره، حيث لم تُستكمل التحقيقات في عدد كبير من القضايا، ولم تُحال بعضها إلى محكمة الموضوع. واعتبر أن هذا القصور يجعل من الصعب القول بأن العدالة قد اكتملت في أي نموذج من نماذج جرائم الحرب.

وأكد أن “الحل الأكثر واقعية” هو تفعيل مبدأ التكامل بين القضاء الليبي والمحكمة الجنائية الدولية، بما يسمح بتحقيق عدالة ناجزة لا يمكن للقضاء الوطني الوصول إليها بمفرده في ظل الظروف الحالية. وقدّم مثالًا بالمتهمين الذين “يتمترسون” خلف مراكز قوة سياسية أو عسكرية، وقال إن التعامل مع هؤلاء يحتاج إلى تعاون مع المحكمة الدولية، خاصة إذا كان ضعف المؤسسات أو الانقسام السياسي يمنع السلطات المحلية من ملاحقتهم.

وذكر أن تفويض المحكمة الجنائية الدولية للنظر في الجرائم المرتبطة بهذه الفئات قد يكون خيارًا عمليًا وضروريًا، لضمان عدم الإفلات من العقاب وتحقيق المساءلة في الجرائم الأكثر خطورة

وكشف أن أداء المحكمة الجنائية الدولية في ملف ليبيا خلال السنوات الماضية يعكس درجة من الانتقائية والبطء تُظهر عدم الجدية، في التعامل مع حجم الجرائم المرتكبة منذ عام 2011، وهو ما يخلق – وفق قوله – انطباعًا واضحًا بوجود تسييس في إدارة العدالة الدولية.

موضحاً أن اختزال العدالة الدولية في أسماء محدودة “لا يواكب حجم الجرائم ولا حجم الضحايا”، ويعطي انطباعًا بأن المحكمة تتعامل بانتقائية في اختيار الملفات، ما يعزز الشعور بأنها متأثرة بعوامل سياسية، خصوصًا أن هذه الرؤية تتلاقى مع الموقف الروسي الذي اتهم المحكمة سابقًا بالتسيس.

وفي سياق الرد على سؤال حول الجهات التي قد تمارس هذا التأثير، قال الحاراتي إن مظاهر التسيس المتصورة تعود في جزء كبير منها إلى الصراع السياسي الدولي حول ليبيا، مؤكدًا أن تحليل أبعاد هذا الصراع يحتاج إلى خبراء سياسيين.

لكنه أشار إلى أنه من الواضح أن طريقة تعاطي المحكمة مع الملف الليبي “تُعد انعكاسًا لحالة التجاذبات الدولية” التي تحيط بالأزمة، ما ينعكس بالضرورة على وتيرة وعدالة الإجراءات القانونية.

وقال في حال تمسك القضاء المحلي الليبي باختصاصه في نظر الجرائم المرتكبة داخل أراضي البلاد، فأن محكمة الجنائية الدولية لا يمكنها التدخل إلا في إطار التكاملية وليس المنافسة، أي عندما يثبت عجز السلطات المحلية عن الملاحقة أو القبض على المتهمين.

منوهاً إلى أن محكمة الجنائية الدولية تواجه تحديات كبيرة بسبب حجم الجرائم المرتكبة، موضحًا أن الأولوية يجب أن تُعطى للملفات الكبرى والخطيرة بدل التعامل مع ملفات انتقائية لا تخدم العدالة الجنائية.

وتابع: النظام القضائي المحلي لم يسجل حتى الآن أي نموذج مكتمل من حيث الملاحقة والتحقيق والمحاكمة وإنزال العقوبات، مما يوضح محدودية القدرة المحلية وحدها على استكمال مسار العدالة. وأكد أن التعاون والتكامل بين الهيئتين القضائيتين المحلية والدولية يمثل الحل الأمثل للوصول إلى الملاحقة الفعلية للمتهمين، خاصة في الحالات التي يكون فيها الوصول إليهم صعبًا بسبب ضعف المؤسسات القضائية والانقسام الأمني والسياسي في البلاد.

وختم الحاراتي بالتأكيد على أن تعزيز التعاون بين السلطات القضائية المحلية والدولية يظل الخيار الواقعي لضمان تحقيق العدالة الجنائية وملاحقة مرتكبي الجرائم الكبرى، مع مراعاة الأولويات والخطورة الفعلية للمتهمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى