إسماعيل: ليبيا تدرك لعبة التوازنات في المتوسط ولن تتراجع عن حقوقها البحرية

قال المحلل السياسي، السنوسي إسماعيل، إن الزيارات المرتقبة لرئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، إلى كلٍّ من إيطاليا واليونان، تأتي في سياق ضغوط متزايدة تُمارس على مختلف الأطراف الليبية، مع اقتراب البلاد من مرحلة قد تشهد إطلاق حوار “ليبي – ليبي” جديد بدفع دولي وإقليمي.
ورأى إسماعيل، في حديث لتلفزيون “المسار”، ورصدته “الساعة 24” أن ليبيا، بحكم موقعها في معادلة شرق المتوسط، تبدو الطرف الأضعف في ظل التوترات بين القوى الإقليمية، وعلى رأسها تركيا، اليونان، مصر، وإيطاليا، واعتبر أن هذه الضغوط لا ترتبط فقط بالتوازنات الداخلية، بل تتصل مباشرة بالصراع على النفوذ في شرق المتوسط، وهو صراع تحكمه موازين القوى أكثر مما تحكمه القوانين.
ووصف السنوسي الاتفاقية البحرية “الليبية – التركية” بأنها الأقرب للمعايير الدولية، مشيراً إلى أن أي طرف لم يجرؤ على الطعن فيها أمام محكمة هامبورغ المختصة بقانون البحار.
ورأى إسماعيل، أن اليونان، التي ترى في الاتفاقية تهديداً لمصالحها، تراهن على دعم الاتحاد الأوروبي للضغط على أنقرة، لكن – لعجزها عن مواجهة تركيا مباشرة – تتجه للضغط على ليبيا. لافتا إلى أن المستشار عقيلة صالح يدرك هذه المعادلات جيداً وقادر على قراءة التحركات اليونانية بما يسمح بالحفاظ على توازن العلاقات مع أنقرة وأثينا في مرحلة حساسة.
وربط إسماعيل، المشهد الجيوسياسي الحالي بمصالح ليبيا الاستراتيجية، مؤكداً أنها ترتبط بتركيا ومصر أكثر من اليونان، نظراً لضعف العلاقات التاريخية والاقتصادية بين طرابلس وأثينا، مقابل وجود مصالح واضحة مع تركيا وتقاطعات جوهرية مع مصر. موضحاً أن مواجهة الأطماع الأوروبية في البحر والبر الليبيين، تتطلب دعم حليفين قويين في المنطقة، رغم وجود بعض الخلافات مع أنقرة، مشيراً إلى أن الحوار التركي – المصري قد يغيّر الموقف الحالي للقاهرة المتقارب مؤقتاً مع اليونان.
ونبه المحلل السياسي، إلى وجود اتصالات فنية وقانونية معقدة بين ليبيا وتركيا خلال السنوات الماضية، تجعل من إنتاج أي بديل للاتفاقية أمراً صعباً في وقت قصير، مؤكداً أن الجرف القاري الليبي يقابل التركي، ما يجعل خط المنتصف هو الأساس القانوني للحدود البحرية بين البلدين.
وبينّ السنوسي، أن اليونان تعتمد في مطالبها على جزر لا يمنحها القانون الدولي حقوقاً موسعة، وأن تشكيل لجنة برلمانية ليبية لمراجعة الملفات يعطي انطباعاً بإعادة هندسة الموقف الرسمي، رغم صعوبة إنجاز تغييرات جوهرية سريعاً.
وأشار إسماعيل، إلى أن ليبيا تمتلك فرصة نادرة لتعزيز موقعها الجيوسياسي، إذا نجحت في توحيد مؤسساتها، موضحاً أن غياب حكومة موحدة يعرقل قدرتها على إيصال صوتها دولياً، وأنها مهما حققت من استقرار داخلي ستظل بحاجة إلى حلفاء إقليميين بحكم موقعها وطبيعة الصراع الدولي حولها.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة وروسيا، ظلتا حاضرتين في ليبيا تاريخياً، مقابل تشتت الموقف الأوروبي، بين فرنسا وإيطاليا واليونان، ما يجعل تأثيره محدوداً مقارنة بالقوى الإقليمية الكبرى.
واعتبر إسماعيل، تركيا ومصر أهم دولتين ترتبط بهما ليبيا وفق الجغرافيا والمصالح، موضحاً أن القاهرة معنية باستقرار ليبيا بحكم الحدود وتشابك المصالح، بينما ترتبط أنقرة حالياً بغرب ليبيا، وتملك مصالح اقتصادية مستقبلية في الطاقة والغاز تجعلها معنية بوحدة البلاد.
ورأى أن ليبيا أصبحت في موقع قوة نسبياً نتيجة الخلافات الدولية، ويمكنها استغلال ذلك إذا تحدثت بصوت واحد، مستشهداً بدعم ليبيا للعملية التركية في قبرص خلال السبعينيات وما أنتجه من امتيازات لا تزال قائمة. مبيناً أن الشركات الأمريكية تُظهر تفضيلاً للتعامل مع تركيا على حساب اليونان بفضل القدرات البحرية التركية والعلاقات الخاصة بين أردوغان وترامب، مشيراً إلى أن واشنطن تعتمد على أنقرة في ملفات أوكرانيا واحتواء الصين، ما يجعلها شريكاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه.
وشدد إسماعيل، على أن ليبيا لن تتنازل عن أي من حقوقها البحرية، وعلى من يعترض اللجوء إلى محكمة هامبورغ، معتبراً أن تأخر تصديق البرلمان هو الإشكال الرئيسي، كما اعتبر أن مستقبل الاتفاقية مرتبط بمسار الحوار التركي – المصري، إذ إن تماهي القاهرة مع الاتفاقية الليبية – التركية كفيل بحسم كثير من الإشكالات، خاصة وأن الاتفاقية البحرية المصرية – اليونانية تتعارض معها مباشرة.
وانتقد إسماعيل، التحركات المصرية – اليونانية في المياه الليبية، مؤكداً رفض ليبيا لها رغم عدم قدرتها على منعها حالياً، محذراً من تأثيرها على العلاقات المستقبلية.
وفي ختام حديثه شدد إسماعيل، على أن ليبيا، رغم ضعف قدرتها على مواجهة اللاعبين الكبار، قادرة على التحالف مع الطرف الذي يضمن مصالحها، مؤكداً أن تركيا تأتي في المرتبة الأولى، تليها مصر التي لا توجد معها أي مشكلات مباشرة، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تُبنى على مفهوم الجرف القاري لا على الجزر، بما يضمن حماية المصالح البحرية الليبية ويرسخ موقعها في شرق المتوسط.









