التاجوري: تمكين القضاء الوطني أفضل من الاعتماد على المحاكم الدولية

قال المحامي والحقوقي عصام التاجوري، تعليقًا على بدء جلسات خالد الهشري أمام المحكمة الجنائية الدولية، إن الملف يمكن تناوله من زاويتين أساسيتين، الأولى تتعلق بمدى تنفيذ أوامر الضبط، والثانية بالأحكام الكاشفة وطبيعة المحاكمة والأدلة المقدمة، مشيرًا إلى وجود مؤشرات وملاحظات غير مطمئنة، لكنه شدد على أن العدالة يجب أن تأخذ مجراها سواء داخليًا أو خارجيًا لاستعادة حقوق الضحايا.
وأضاف التاجوري، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، ورصدته “الساعة 24” – رغم تحفظه على موقف الهشري – أن الحديث يجب أن يتم بشكل عام حول حالة المعتدىَ عليهم، مشيرًا إلى مسألة الانتقائية في التعامل: “سواء كنت مطالبًا بالتحقيق أمام محكمة وطنية أو ستطالَك المحاكمة الدولية، هناك انتقائية واضحة يجب الإشارة إليها”.
وبينّ أن المحكمة الجنائية الدولية تواجه ضغوطًا واضحة، سواء مالية أو سياسية، خاصة الأوامر التنفيذية التي صدرت من إدارة ترامب بحق موظفي المحكمة، والتي فرضت على المحكمة اتخاذ توجهات وقرارات محددة. وأكد أن هذا النوع من الضغوط لم يشهده العالم منذ تأسيس المحكمة وفق اتفاقية روما، رغم ما أُشير إليه في التقارير والملاحظات الفنية السابقة.
وأضاف: “لا نريد الخوض في قضايا أخرى مثل قضية لوكربي وما رافقها، لكن يجب الاعتراف بأن هناك مجرمين مطلوبين جرى جلبهم ومقاضاتهم، ما يعكس بعض التوازن ويعطي العدالة الدولية قوتها”.
وأشار التاجوري إلى أن الولاية الوطنية للقضايا المرتكبة داخل ليبيا هي الأصل، مؤكدًا أن القضاء الليبي هو صاحب الاختصاص الأول والأصيل، وكان من الأفضل تمكينه من التعامل مع هذه الحالات.
وأوضح أن المتهم يُعتبر بريئًا حتى تثبت إدانته، مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة، بما يتيح للقضاء الليبي القدرة والأمن الكافيين للتعامل مع الملفات القضائية المعقدة.
ونوّه المحامي، بأن السلطة القضائية وحدها لا تكفي، إذ تقع مسؤولية تنفيذ الأوامر القضائية على وزارة الداخلية بدعم من وزارة الدفاع، مضيفًا أن الإشكالية تكمن في ضعف الأدوات الوطنية للقضاء وتعطّلها، إضافة إلى محاولتها التحرر من التأثير السياسي، ما يزيد صعوبة تحقيق العدالة بشكل فعّال.
ولفت التاجوري إلى أن الحديث عن بعض الأطراف لا يعكس النفوذ الحقيقي، قائلًا: “ليس كل وزير أو مسؤول قادر على حماية الملفات أو التأثير في تنفيذ أوامر القبض، فالتنفيذ مرتبط بالجهات الأمنية والوزارات المعنية”. وأضاف: “القضاء يمتلك الأدلة والملفات المفتوحة، إلا أن تنفيذها يتطلب تنسيقًا مع الجهات الأمنية لضمان تطبيق الأوامر بشكل صحيح ومنضبط”.
وبالنسبة لتدخل المحكمة الجنائية الدولية، شدد التاجوري على أهمية وجود قنوات رسمية للتواصل مع المحكمة عبر وزارتي العدل والخارجية، إذ يمكنهما متابعة استعادة المواطن وتطبيق العدالة عليه داخل ليبيا. مؤكداً أن القضاء الليبي، رغم بعض القصور في التنفيذ، يمتلك الطبيعة القانونية والإجرائية للتعامل مع هذه القضايا، مع الإشارة إلى أن التحدي يكمن في ضعف المؤسسات الأمنية وأدوات الضبط.
كما أكد التاجوري أن بعض الأطراف، رغم نفوذهم المالي أو السياسي، لا يستطيعون الإفلات من العدالة، وأن الدائرة القضائية ستضيق عليهم تدريجيًا، سواء داخل البلاد أو خارجها. مبيناً أن بعض المطلوبين تمكنوا سابقًا من الفرار داخل ليبيا، لكنهم في الواقع يخضعون لضغوط وقيود قانونية وسياسية تجعل حريتهم محدودة، ويضطرون للظهور بمظهر الأقوياء أمام الرأي العام، بينما هم فعليًا مقيدون خلف الكواليس أمام السلطات المحلية والدولية.
واعتبر التاجوري أن هذا الوضع يعكس فلسفة العدالة الحديثة، التي لا تقتصر على العقاب الضيق، بل تشمل ضبط النفوذ والسيطرة على التصرفات لمنع الإفلات من العقاب.
ورأى التاجوري أن الهدف النهائي هو تحقيق العدالة للضحايا والمجتمع الليبي، من خلال مشروع عدالة انتقالية يشمل وقف الانتهاكات، جبر الضرر، وتعويض المتضررين، ما يوفر للجميع، بما في ذلك الجلادون، فرصة للامتثال للعدالة قبل أن تطالهم العقوبات.
واختتم التاجوري حديثه بالتأكيد على أن القيود المفروضة على بعض الأفراد داخل الدولة، سواء من خلال القانون أو النفوذ الأمني، تمثل فرصة لإعادة ضبط العلاقة مع العدالة، وتحقيق الردع، وضمان ألا يخرج أي متهم عن دائرة المساءلة.









