اخبار مميزةليبيا

السنوسي: تزوير الأرقام الوطنية أزمة أمنية تستوجب إجراءات رادعة

حذّر الخبير الأمني محمد السنوسي، من خطورة الاختراق الذي تتعرض له منظومة السجل المدني في ليبيا، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بخلل إداري أو فني عابر، بل بوصول غير مشروع إلى واحدة من أهم قواعد البيانات السيادية في البلاد.

وأوضح السنوسي في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة24″، أن قاعدة البيانات المخترقة ترتبط بمنظومة المصرف المركزي، وبالبيانات الوطنية للمواطنين، إضافة إلى ما يتعلق بحق الملكية العقارية، مشيراً إلى أن التشريعات الليبية تمنع غير الليبيين من تملك العقار، ما يجعل أي تلاعب في السجلات الرسمية تهديداً مباشراً للأمن القومي.

وأشار السنوسي إلى خطورة الأرقام التي أعلن عنها مكتب النائب العام، والمتعلقة بالاشتباه في 34 ألف قيد عائلي. موضحاً أن متوسط عدد أفراد الأسرة الليبية يصل إلى ستة، ما يعني احتمال وجود نحو 200 ألف رقم وطني مزوّر، وهو رقم “خطير للغاية” قياساً بعدد سكان ليبيا البالغ نحو سبعة ملايين نسمة.

وأكد الخبير الأمني أن هشاشة المؤسسات الليبية وحالة “السيولة المؤسسية” التي تمر بها البلاد تجعل التعامل مع هذه الأزمة أمراً بالغ التعقيد، في ظل غياب سياسات واضحة للمعالجة. وأضاف أن الملف انتقل من مرحلة التدقيق إلى التحقيق، لكن الأمر برمته يتطلب رقابة مستمرة لضمان سلامة ودقة قاعدة البيانات الوطنية.

وبيّن السنوسي أن عمليات التزوير المحتملة لا تقتصر على الأرقام الوطنية، بل تمتد للحصول على جوازات سفر ليبية، ما قد يسمح لغير الليبيين بالتنقل بحرية وربما تنفيذ أنشطة مرتبطة بالجريمة المنظمة، أو الإرهاب.

كما ربط السنوسي بين تزوير الأرقام الوطنية ومسألة تملك العقار، موضحاً أن أي شخص يحصل على رقم وطني مزوّر قد يتمكن لاحقاً من توثيق ممتلكات عقارية تُكسبه مظهراً قانونياً داخل البلاد، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة لهذه الملفات وإثبات الجهات المختصة لعدم شرعية هذه الملكيات عند ثبوت التزوير.

ودعا إلى تحرك تشريعي عاجل من مجلس النواب لتشديد العقوبات على أي مساس بقاعدة البيانات الوطنية، مؤكداً أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها ليبيا تبرر إقرار قوانين استثنائية لحماية الأمن القومي لمنع تكرار مثل هذه الخروقات.

ولفت السنوسي إلى أن عملية إدخال البيانات وتوثيقها تمر بمرحلة إعداد السجلات والوثائق قبل رقمنتها وإدراجها داخل المنظومات الرسمية، ما يجعل احتمالية وقوع الأخطاء واردة سواء كانت متعمدة أو غير متعمدة. وأوضح أن هذه الأخطاء، بمجرد تحويلها إلى بيانات رقمية، تنتقل تلقائياً إلى قواعد بيانات الدولة وتظل قائمة ما لم تُراجع أو تُدقق.

وأشار السنوسي إلى أن ليبيا كان يفترض أن تتبع استراتيجية دورية للمراجعة والتدقيق والفلترة كل ثلاث سنوات على الأقل، بهدف كشف الأخطاء وتصحيحها ومنع تأثيرها على بقية مؤسسات الدولة. إلاّ أن غياب الإحصائيات الدقيقة حتى ما قبل عام 2011، سواء لعدد الليبيين أو المقيمين على الأراضي الليبية، أدى إلى تعقيد جهود إنشاء منظومة الرقم الوطني وحماية البيانات الرسمية.

ورأى السنوسي أن قاعدة البيانات التي أُنشئت لاحقاً – رغم ما رافقها من أخطاء -أسهمت في تسهيل العديد من الخدمات، وعلى رأسها رقمنة المعاملات البنكية، التي ما كانت لتتحقق دون توفر قاعدة بيانات وطنية موحدة.

وحول المخاوف المتعلقة بعمق الاختراقات داخل مصلحة الأحوال المدنية، أشار السنوسي إلى أن الشكوك باتت تطال كل شيء، “فالعمل الأمني بطبيعته قائم على الشك”، لكنه شدد على أن كل رقم وطني يرتبط برقم سابق، وأن منح الجنسية الليبية لا يتم قانوناً إلا لابن الأب والأم الليبيين، أو عبر إجراءات منح الجنسية المقررة قانوناً، ما يسمح بإجراء مراجعات تقنية تقلل نسبة الأخطاء إلى حدها الأدنى.

وأقرّ السنوسي بصهوبة تصويب كامل قاعدة البيانات بنسبة 100%، مشيراً إلى أن لجنة التحقيقات وحدها قادرة على تحديد مدى نجاح عمليات التدقيق السابقة. لكنه أكد في الوقت ذاته أن تخفيض الاختلالات إلى أقل قدر ممكن يظل هدفاً واقعياً وضرورياً.

وفي سياق حديثه، تطرق السنوسي إلى الدوافع وراء تزوير الأرقام الوطنية، لافتاً إلى أن بعضها يمس بصورة مباشرة الهوية الوطنية الليبية، وهي قضية لا تقل أهمية عن حماية حدود الدولة وسيادتها. معتبراً أن ليبيا تواجه تحدياً ديمغرافيًا متفاقمًا، وأن هناك أطرافاً قد تستفيد من تشويه منظومة الرقم الوطني، ما يفتح الباب لتداعيات خطيرة على المدى القريب والبعيد.

وقال السنوسي إن البيئة الحالية في ليبيا تسمح بحدوث مثل هذه الجرائم، لافتاً إلى أن “قضايا الأمن القومي يجب أن تُصنف فوق الاعتبارات السياسية والدستورية”، محذراً من تحويل مسألة الرقم الوطني إلى ورقة للاستغلال السياسي في الانتخابات المحلية أو التشريعية أو الرئاسية.

وأشار إلى أن الأرقام التي تحدث عنها النائب العام والتي قد تُمثّل ما يقارب 200 ألف شخص عند احتساب عدد أفراد كل رقم قيد كفيلة بالتأثير في حسم أي عملية انتخابية مستقبلية، منوهاً إلى أن الليبيين لم يختبروا بعد مدى استعمال هذه الأرقام في عمليات الاقتراع، إلا أن مجرد الشك في سلامة قاعدة البيانات الوطنية يجعل أي انتخابات “محفوفة بالمخاطر وقابلة للطعن”.

وأضاف السنوسي أن الطعن في نتائج الانتخابات سيكون سهلاً لأي طرف سياسي إذا استمرت حالة عدم التدقيق في سجلات المواطنين، ما قد يجر البلاد إلى مرحلة خطيرة من فقدان الثقة ورفض النتائج.

وشدد على أن العبث بالهوية الوطنية يشكل خطراً ديمغرافياً وسياسياً، كما يفتح الباب أمام صراعات قد يجد الليبيون أنفسهم غير مستعدين لمواجهتها.

ودعا السنوسي إلى الاستفادة من الخطوات التي اتخذها النائب العام، للعمل على بناء مؤسسة موحدة وقادرة على مواجهة التحديات التقنية والتنظيمية، مقترحاً

ثلاثة مسارات عاجلة للإصلاح تتمثل في إعادة تقييم معايير تعيين العاملين في منظومة الرقم الوطني والأحوال المدنية، وتحديد المؤهلات المطلوبة لضمان النزاهة والكفاءة، إلى جانب مسار تقني يعتمد على تقنيات تتبع الإدخال الرقمي بحيث يتحمل الموظف المسؤولية الكاملة عن جميع البيانات التي يقوم بإدخالها، ومسار أخر للإصلاح يتمثل في تشديد العقوبات على كل من يعبث بالهوية الوطنية، مع ضرورة تطبيق العدالة الناجزة وإصدار أحكام رادعة قابلة للتنفيذ الفوري. مشدداً على أن حماية الهوية الوطنية وحفظ قاعدة بيانات المواطنين ليست قضية إدارية فحسب، بل “مسألة أمن قومي” تتطلب إرادة سياسية موحدة ومعالجات عاجلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى