الكاديكي: نجاح أي مشروع تنموي يقاس بتأثيره المباشر على المواطن
أكد المستشار والخبير في التنمية الاستراتيجية، خالد الكاديكي، أن أي مشروع تنموي أو سياحي في ليبيا، بما في ذلك مشروع متنزه بحيرات أوباري، يجب أن يُقاس نجاحه بمدى انعكاسه المباشر على حياة المواطن، وليس بحجم العناوين الإعلامية أو الجهات الدولية المشاركة فيه.
وأوضح الكاديكي، في حديثه لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أن البرامج التنموية التابعة للأمم المتحدة ليست جديدة في البلاد، بل تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن ليبيا كانت وما زالت دولة مساهمة في تمويل هذه الصناديق والبرامج من خلال اشتراكات رسمية، يفترض أن تعود بالنفع على التنمية الاقتصادية والمكانية داخل البلاد.
وأشار الكاديكي إلى أن منظمات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمنظمة الدولية للهجرة، تنفذ مشاريع في ليبيا تحقق لها مكاسب تشغيلية ومالية، بينما يظل العائد الحقيقي على المواطن الليبي محدودًا للغاية، موضحا أن الليبيين منذ عقود لم يلمسوا أثرًا حقيقيًا لهذه المشاريع على مستوى البنية التحتية أو الإسكان أو تحسين الخدمات الأساسية، وأن المواطن اليوم بحاجة إلى مشاريع ملموسة توفر له حياة كريمة، وليس مجرد برامج نظرية أو تقارير دولية.
وانتقد الكاديكي ما وصفه بتكرار التدخلات الدولية دون نتائج واضحة، لافتًا إلى أن تخصيص مليارات الدولارات لدعم مناطق النزاع، بما فيها ليبيا، غالبًا ما يعود بفوائد أكبر على الجهات المنفذة أكثر من المجتمعات المحلية نفسها، مضيفا ان صوت المواطن أصبح اليوم أكثر وعيًا وقوة، ويجب على الدولة استثمار مواردها الوطنية بشكل مباشر ووضع رؤية تنموية مستقلة تضمن أن يكون الشعب هو المستفيد الأول والأخير من أي مشروع اقتصادي أو سياحي، بما في ذلك مشروع بحيرات أوباري.
وقال الكاديكي إن الحديث عن تخصيص ما يقارب ستة ملايين دولار يجب أن يُفهم في إطاره الصحيح، موضحًا أن هذه الأموال لا تُعد استثمارات حقيقية بقدر ما هي تمويلات موجهة عبر منظمات وبعثات دولية.
وتابع أن ليبيا سبق وأن أعلنت عن حزمة دعم دولية لمنطقة الشرق الأوسط قُدرت بنحو ملياري دولار، كان من المفترض أن تحصل منها على نحو ستين مليون دولار لدعم مشاريع التنمية، مشيرًا إلى أن حكومة الدبيبة سددت نحو 14 مليون دولار قيمة اشتراكات خلال العام الماضي، وهي أموال ليبية يجب أن تُوظف لتحقيق تنمية حقيقية ومكاسب على أرض الواقع.
وأوضح الكاديكي أن ما تقوم به البعثات والمنظمات الدولية هو نشاط معتاد في الدول التي تعاني من توترات وعدم استقرار، مثل لبنان واليمن والعراق، مشيرًا إلى أن هذه المنظمات لا تعمل عادة في دول مستقرة كإيطاليا أو ألمانيا، بل تركز على بيئات تنتشر فيها أزمات الحوكمة والفساد، حيث تستطيع تنفيذ برامج تحقق لها مكاسب مباشرة وغير مباشرة، مؤكدا أن مبلغ الستة ملايين دولار مرجح أن تعود فائدته على تلك المنظمات أكثر من عودته على الليبيين، حيث يتم استغلال السوق المحلي في التعاقد مع شركات ليبية لتنفيذ مشاريع محدودة الأثر.
وشدد الكاديكي على ضرورة التمييز بين الاستثمار الحقيقي، القائم على الأسهم والسندات والعوائد الربحية والقوانين الواضحة، وبين التمويلات التي تُضخ عبر صناديق التنمية وبرامج الدعم دون أثر استثماري طويل الأجل، وأكد أن البلاد بحاجة إلى استثمارات حقيقية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، لا إلى تمويلات مؤقتة تخدم أجندات المنظمات الدولية بشكل رئيسي.
وتابع الكاديكي أن المشروع المطروح في أوباري يحمل بعدًا بيئيًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، حيث يقع في منطقة بيئية متميزة وخالية من التلوث، ما يجعلها مؤهلة للتحول إلى منتزه طبيعي ذا جاذبية سياحية كبيرة، موضحا أن المنطقة السياحية في الجنوب تتميز بمناخ معتدل ومقومات بيئية وسياحية هائلة لم تُستثمر بعد، مشيرًا إلى إمكانيات مناطق مثل تراغن وجادو وغيرها التي تُعد بيئات نقية خالية من الانبعاثات الغازية والتلوث الصناعي، ما يمنح ليبيا فرصة لتصبح وجهة مفضلة للسياحة البيئية والصحراوية.
ولفت الكاديكي إلى أن وجود وزارة مختصة بالبيئة والسياحة ضمن الحكومة يعزز فرص تنفيذ مثل هذه المشاريع، مؤكدًا أن الرؤية المطروحة تقوم على تمويل هذه المشاريع عبر شراكات ذكية مع الشركات والصناديق والمنظمات الدولية، دون تحميل الدولة أعباء مالية مباشرة، مع تحقيق عوائد اقتصادية واستثمارية كبيرة.
ورأى الكاديكي أن المشروع سيترك أثرًا إيجابيًا واضحًا على سكان أوباري، مشددًا على أن الحاجة إلى تحسين الظروف المعيشية هناك كبيرة جدًا، مؤكدًا السعي لتحقيق تغيير ملموس في أوباري يشبه ما حدث في المناطق السياحية الكبرى مثل أهرامات مصر، وأوضح أن السياحة يمكن أن تكون مصدر دخل مهم، إلا أن نجاحها يتطلب توفير خدمات متكاملة مثل الفنادق والاستثمارات والمراكز التجارية لضمان استفادة السكان المحليين، مشيرا إلى أن السياحة الحالية غالبًا ما تترك السكان المحليين خارج دائرة الفائدة، حيث يقتصر دورهم على تقديم منتجات أو خدمات بسيطة رغم معاناتهم من الفقر، مؤكدًا أن المشروع الجديد سيغير هذه المعادلة ويجعل التنمية شاملة، تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمكانية والسياسية.
وشدد الكاديكي على ضرورة وضع خطة استراتيجية دقيقة قبل بدء المشروع، موضحا أن التنمية ليست مجرد برامج مالية، بل تشمل الإصلاح المستمر والتنبؤ بالتغيرات المستقبلية، إلى جانب دراسة الجهات الأممية قائمة على تحليل جغرافي وبيئي واقتصادي وتنموي، وهو أمر بالغ الأهمية لضمان استدامة النتائج.
واختتم المستشار في مجال التنمية الاستراتيجية حديثه بالتأكيد على أهمية وجود رؤية واضحة ومشاركة فعّالة من وزارة البيئة في جميع مراحل الاستثمار.









