راغب: تورط طرف ثالث في حادثة طائرة الحداد يبقى احتمالاً قائماً

أكد الباحث العسكري والاستراتيجي، سمير راغب، أن التحقيق في حادث طائرة الفريق الحداد، الذي وقع على الأراضي التركية يحمل أبعادًا فنية وسياسية معقدة، مشددًا على ضرورة مشاركة الدولة المصنعة للطائرة لضمان تحقيق شامل وموثوق.
وأشار راغب، في تصريحات على تلفزيون “المسار”، رصدتها صحيفة الساعة24، إلى أن التحقيق الفني يتطلب فحص الصندوقين الأسودين للطائرة، سواء المرتبط بكابينة القيادة والاتصالات، أو الثاني الذي يسجل كافة البيانات المتعلقة بالارتفاعات ودرجة الحرارة والضغط والوقود، مؤكدًا أن هذه البيانات تسمح بفهم سير الطائرة بدقة في اللحظات الأخيرة. وأضاف أن المرحلة الثانية من التحقيق أكثر تعقيدًا، حيث تشمل جمع أكبر قدر ممكن من الحطام لإعادة تشكيل جسم الطائرة، بهدف تحديد ما إذا كان الانفجار أو الضرر ناجمًا عن عوامل داخلية أو خارجية.
ولفت إلى أن مشاركة الشركة المصنعة للطائرة، سواء كانت بوينغ أو إيرباص أو داسو الفرنسية، أساسية لإجراء محاكاة دقيقة لتحديد أسباب الحادث. موضحا أن مثل هذه التحقيقات قد تستغرق فترة طويلة، كما جرى في حوادث سابقة استغرقت أكثر من عام لإعادة بناء الطائرة وفحص إمكانية وجود خلل داخلي أو خارجي.
وأضاف راغب، أن بيانات الطائرة، مثل نداءات الطيارين وقراءات الضغط والارتفاع والكهرباء داخل الكابينة، توفر معلومات دقيقة حول سير الطائرة قبل وقوع الحادث. مشيرًا إلى أن فقدان الطائرة في ارتفاع ملحوظ خلال دقائق قليلة قبل تسجيل نداء الطوارئ “بان – بان” يشير إلى حالة طارئة استمرت لفترة قبل الحادث، فيما سيكشف التحليل الفني ما إذا كان الصوت ناتجًا عن خلل داخلي أو انفجار خارجي، بما في ذلك احتمال تعرض الطائرة لهجوم بصاروخ.
كما أكد راغب، أن التحقيق لا يقتصر على الجانب الفني، بل يشمل عدة أطراف دولية مثل: مالطا بصفتها الدولة المشغلة للطائرة، وليبيا، إلى جانب الدولة التي وقع الحادث على أراضيها وهي تركيا، واليونان نظرًا لانتماء المضيفة، وفرنسا باعتبارها الدولة المصنعة للطائرة. مشيرا إلى أن لجنة مشتركة من هذه الدول ستشارك لضمان شمولية التحقيق ومصداقيته.
ورأى راغب، أن وجود طاقم أجنبي على متن الطائرة يضيف أبعادًا واسعة، ويزيد من تعقيد إدارة التحقيقات الدولية. مبيناً أن التركيز الأول يقع على تركيا، باعتبار الحادث وقع ضمن أراضيها، وأن أي مشكلة متعلقة بالخدمات الأرضية أو عمليات الوقود أو الضغط الجوي أثناء الإقلاع تقع ضمن مسؤوليتها المباشرة.
وأشار إلى أن مشاركة فرنسا، بصفتها الدولة المصنعة للطائرة، حيوية لتقييم أي خلل محتمل في التصميم أو أنظمة السلامة، وضمان حقوق الطيارين والتعويضات، مشددًا على أن وجود طيارين فرنسيين يعقد أي مشاركة محتملة لدولة ثالثة مثل ألمانيا في التحقيق.
وعن احتمال وجود طرف ثالث وراء الحادث، أكد راغب، أن أي تورط محتمل لدولة ثالثة، في ظل التوترات الإقليمية بين تركيا وخصومها في شرق المتوسط، يبقى احتمالًا قائمًا، مشيرًا إلى أن هذا الطرف قد يسعى لإضعاف الدور التركي أو التأثير على علاقاتها مع ليبيا، ضمن سياق التحالفات الإقليمية أو الصراعات الدولية في مناطق مثل غزة وسوريا.
وأكد أن التحقيقات الفنية والسياسية ستكون محورية لتحديد ما إذا كان الحادث نتيجة خلل فني أو عملية متعمدة، مؤكّدًا أهمية التنسيق الدولي بين جميع الدول المعنية لضمان شمولية التحقيق ومصداقيته.
وفيما يخص سيناريو الانفجار، أكد الباحث أن الانفجار وقع في الجو، ما يستبعد احتمالية وقوعه على الأرض أو نتيجة صاروخ محمول قصير المدى نظرًا للارتفاع الكبير للطائرة (حوالي 34 ألف قدم).
ولفت إلى احتمال أن يكون التفجير تم عبر جهاز مدمج داخل الأمتعة أو معدات الطائرة، باستخدام تقنيات تحكم عن بعد أو أجهزة مشابهة لما تم استخدامه في حوادث سابقة، مثل لبنان. كما استبعد أن يكون الانفجار ناجمًا عن خلل كهربائي أو “إلتماس”، مؤكدًا أن أي تأثير على الأنظمة الإلكترونية كان محدودًا ولا يمكن أن يسبب التفجير بشكل مباشر.
وأكد راغب، أن الأقمار الصناعية وأجهزة الرصد الصناعي يمكن أن توثق الانفجار والومضات الناتجة عنه، بينما تحليل الحطام يسمح بالتمييز بين الانفجار الطبيعي والخلل الصناعي أو انفجار القنبلة. كما أن التحقيق يشمل دراسة عمليات تعبئة الوقود والخدمات الأرضية في تركيا، حيث أي خلل في هذه العمليات قد يكون جزءًا من أي سيناريو محتمل.
وعن الأبعاد السياسية والاستخباراتية، أشار راغب، إلى احتمالية ضلوع أطراف ثالثة في الحادث، معربًا عن قلقه من أن يسعى أي طرف إلى التأثير على الدور التركي أو العلاقات الإقليمية بين تركيا وليبيا، في سياق التوترات الإقليمية وتحالفات مثل “اليونان – إسرائيل – قبرص”، دون التأكيد على تورط أي دولة بشكل مباشر.
وأشار إلى أن التحقيق الفني مستقل عن الأبعاد السياسية، والغرض منه هو تحديد السبب الحقيقي للحادث وضمان سلامة الرحلات الجوية مستقبلاً، مؤكدًا أن البيانات الفنية والصناديق السوداء ستوفر سيناريو واضحًا للانفجار، سواء أكان نتيجة خلل داخلي أم عملية متعمدة.
وأوضح راغب، أن الأجهزة الأمنية والمخابراتية قد تستهدف شنط الركاب رفيعي المستوى، بحيث توضع عبوات صغيرة في أمتعتهم دون أن يتم اكتشافها خلال إجراءات التفتيش. وأضاف أن السيناريو الأكثر احتمالية هو وضع العبوة في حقيبة شخصية على متن الطائرة، مع التحكم في توقيت انفجارها عن بعد، مشيرًا إلى أن الهدف ربما يكون التأثير على العلاقات الدولية بين الدول المشاركة في الرحلة وليس استهداف الطاقم أو الركاب مباشرة.
ورأى الخبير العسكري إلى أن التحقيقات النهائية قد تستغرق من سنة إلى ثلاث سنوات، بينما الفحص الأولي للصندوقين الأسودين يمكن أن ينتهي خلال شهرين إلى ثلاثة أشهر.
وأكد على ضرورة أن يشمل التقرير النهائي جميع العناصر الفنية، بما في ذلك تحليل الحطام، شهادات شهود العيان، بيانات الأقمار الصناعية، والتسجيلات الصوتية والبيانية للطائرة، لضمان استنتاج شامل وموضوعي.
ورغم استبعاد تورط تركيا في تنفيذ العملية، شدد راغب، على أن الحادثة ستبقى في دائرة الجدل السياسي والدبلوماسي، لاسيما إذا تبين وجود طرف ثالث مجهول وراء الانفجار. كما أشار إلى أن السيناريو المثالي للفاعل كان يتمثل في تفجير الطائرة فوق المياه الدولية لتقليل المسؤولية المباشرة لأي دولة.









