التهامي: الجيش الليبي قادر على حماية الحدود الجنوبية بدعم محلي ودولي

أكد المحلل السياسي أحمد التهامي، أن التهديدات الأمنية على الحدود الجنوبية للبلاد لا يمكن الاستهانة بها، مشددًا على أن تنظيم القاعدة، إلى جانب تنظيمات متطرفة أخرى، لا يزال يمثل خطرًا حقيقيًا، خاصة في ظل طبيعة حرب العصابات التي تعتمدها هذه الجماعات.
وأوضح التهامي في تصريحات لقناة “سلام”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن حروب العصابات تقوم أساسًا على حرية الحركة، وقرب القيادات من المقاتلين، والفرار الفردي ثم إعادة التجمع لتشكيل خلايا جديدة، وهو ما يجعل هذا النوع من الحروب مربكًا لأي جيش نظامي، مهما بلغت قوته، مستشهدًا بتجارب سابقة واجه فيها الجيش الأمريكي هذا النمط من القتال في العراق، وكذلك الجيش الإسرائيلي في لبنان.
وأشار إلى أن الجيش الليبي، رغم كونه جيشًا نظاميًا وكبيرًا، يمتلك خبرة متراكمة في حروب الصحراء وحروب العصابات، اكتسبها من خلال مشاركاته السابقة في تشاد وعلى امتداد فترات زمنية طويلة، الأمر الذي يعزز من قدرته على التعامل مع هذه التهديدات.
وفي السياق ذاته، كشف التهامي عن وجود تنسيق أمني بين الجيشين الليبي والتشادي، حيث تم تشكيل قوات مشتركة، إلى جانب زيارات رسمية أجريت مطلع ديسمبر الماضي، شارك فيها نائب القائد العام الفريق صدام حفتر، لمتابعة ملفين أساسيين، أولهما الاستعانة بالدعم الأمريكي في مجال المراقبة الجوية باستخدام الطائرات المسيّرة والطائرات الاستطلاعية لضبط الحدود، وثانيهما تبادل المعلومات الاستخبارية.
وتطرق التهامي إلى الوضع الأمني المعقد في منطقة الصحراء الكبرى، واصفًا إياها بأنها مسرح لصراعات متعددة تشمل مواجهات بين الروس وتنظيم داعش، وبين التنظيم نفسه والحكومات المحلية، إضافة إلى تحالفات متغيرة تضم بعض المجموعات القبلية وبقايا من تنظيم القاعدة، مؤكدًا أن هذه الفوضى الأمنية تزيد من احتمالات تسلل التهديدات إلى الحدود الليبية، لا سيما عبر شبكات الجريمة المنظمة.
ورغم إقراره بعدم إمكانية ضمان منع أي تسرب بشكل كامل، شدد التهامي على أن الجيش الليبي منتشر على الحدود ويؤدي دورًا فاعلًا في مراقبتها، ويعمل على استعادة الأمن باستخدام مختلف الوسائل المتاحة.
كما أكد أن القيادة العامة للقوات المسلحة أبرمت اتفاقيات تدريب وتنسيق مع القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، مشيرًا إلى أن التدريبات المقبلة ستشارك فيها قوات من غرب وشرق وجنوب ليبيا، وتركز بشكل أساسي على تأمين الحدود وآليات حمايتها، في إطار تشكيل قوات ليبية مشتركة.
وتابع: الجيش الليبي يتمتع بتسليح متوازن يمكّنه من مواجهة الحروب النظامية وحروب العصابات في آن واحد، لافتًا إلى أن التقارير الدولية تشير إلى تكيف شبكات الجريمة المنظمة في الجنوب مع الواقع الأمني، وهو ما يتطلب يقظة مستمرة.
وميّز التهامي بين تهديد التنظيمات الإرهابية وتهديد الجريمة المنظمة، موضحًا أن الأخيرة تسعى إلى التخفي والتهريب دون الظهور العلني، بعكس تنظيم داعش الذي يهدف إلى السيطرة على المناطق وإعلان وجوده، مؤكدًا أن قدرة هذه الجماعات على التسلل لا تعني قدرتها على السيطرة أو البقاء في أي منطقة دون أن يواجهها الجيش الليبي.
وأكد أن المقاربة الدولية لمواجهة تنظيم داعش في ليبيا ومنطقة الساحل لا يمكن أن تعتمد على الضربات الجوية فقط، موضحًا أن هذا الفهم هو ما دفع القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) إلى تكثيف لقاءاتها مع القيادات العسكرية الليبية في كل من طرابلس وبنغازي.
وأوضح التهامي، ، أن وفد أفريكوم التقى في وقت سابق الفريق محمد الحداد “قبل رحيله” في طرابلس، كما اجتمع بنائب القائد العام الفريق صدام حفتر في بنغازي، في إطار تنسيق أمني موسع يعكس إدراك الولايات المتحدة بأن القوة الجوية، مهما بلغت دقتها أو قوتها، غير قادرة بمفردها على حسم المعركة ضد التنظيمات المسلحة على الأرض.
وبينّ أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل متزايد على الشراكة مع جيوش المنطقة، وعلى رأسها الجيش الليبي في الشرق والغرب، إلى جانب الجيشين التشادي والنيجري، معتبرًا أن هذه القوات تمثل الركيزة الأساسية في أي استراتيجية ناجحة لمواجهة داعش، مقارنة بالاكتفاء بالضربات الجوية عن بُعد.
ولفت التهامي إلى أن لقاءات أفريكوم، التي عُقدت مطلع ديسمبر الماضي، جاءت في إطار تنسيق معلن ركّز بالدرجة الأولى على ضبط الحدود، من خلال توظيف القدرات الأمريكية في مجال الطائرات المسيّرة، وطائرات الاستطلاع، والأقمار الصناعية، فضلًا عن التدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية.
واعتبر أن واشنطن باتت أكثر اندفاعًا نحو التعاون مع مختلف الأطراف الليبية، في الشرق والغرب، بعد تزايد المخاوف من تهديدات قادمة من عمق الصحراء الكبرى، مشددًا على صحة المقولة القائلة إن “أمن ليبيا يبدأ من خارج حدودها”.
ورأى التهامي أن تأمين الحدود لا يقتصر فقط على التعاون مع الحكومات المجاورة، بل يشمل أيضًا بناء تحالفات مع القبائل العابرة للحدود، والتي تمتد بين ليبيا وتشاد والنيجر، مشيرًا إلى أن هذه القبائل تمتلك نفوذًا حقيقيًا وقدرة أكبر على فرض الأمن في تلك المناطق الوعرة.
وأشار إلى أن القيادة العامة للجيش الليبي لم تعتمد فقط على الدعم الأمريكي، بل بادرت بعقد اتفاقيات أمنية مع تشاد، مؤكدًا أن توسيع هذا التنسيق ليشمل دولًا أخرى، مثل النيجر، يظل مرهونًا بوجود حكومات قوية وقادرة على الشراكة الأمنية الفاعلة.
وفي السياق ذاته، لفت التهامي إلى ما وصفه بـ “النقطة الجوهرية” في معادلة الصراع مع التنظيمات المتطرفة، والمتمثلة في سكان المناطق الحدودية، موضحًا أن هذه المناطق تُعد تاريخيًا وحدة اجتماعية وجغرافية واحدة، وهو ما تستغله تنظيمات مثل القاعدة وداعش في تسهيل حركتها وتنقل عناصرها.
وبيّن أن العامل نفسه يمكن أن يتحول إلى نقطة قوة لصالح الدولة، من خلال توظيف العلاقات القبلية داخل ليبيا للتواصل مع القبائل الممتدة خلف الحدود، بما يسهم في قطع طرق الحركة والإمداد أمام التنظيمات المتطرفة، والحد من قدرتها على المناورة.
وأكد التهامي أن القبائل، بحكم انتشارها ونفوذها المحلي، قادرة على لعب دور محوري في ضبط الحدود، مشددًا على أن ما تستخدمه التنظيمات المسلحة كنقطة قوة يمكن قلبه إلى نقطة ضعف حقيقية إذا ما أُحسن استثماره ضمن رؤية أمنية شاملة. معتبراً أن الجيش الليبي يستفيد من وجوده في الجنوب الليبي، لتأمين هذه المناطق الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته يُحد من قدرة تنظيم داعش على التسلل أو السيطرة على هذه المناطق.
وأوضح التهامي أن الجيش الوطني الليبي نشأ وتكون عمليًا خلال مواجهته لداعش، حيث خاض معارك مباشرة ضد التنظيم لثلاث سنوات، وشمل نشاطه مناطق مثل المثلث الحدودي الليبي – السوداني، إضافة إلى مناطق أخرى كانت تحت سيطرة التنظيمات المتطرفة. وأضاف أن الجيش منتشر وقادر على حماية الجنوب، معتبراً أن ما يقال عن عدم قدرته بسبب الحاجة للدعم الأمريكي هو “مبالغة ومزايدة”، مشددًا على أن الطيران الأمريكي فقط يعزز قدرته ولا يقلل من فاعليته على الأرض.
وعن المزاعم المتعلقة بوجود قواعد روسية في الجنوب، أوضح التهامي أن هذه المعلومات مضللة، مشيرًا إلى أن الروس لم ينسقوا مع الجيش الوطني أو يتواجدوا بشكل رسمي في الجنوب، بل كانت علاقتهم محصورة في مواجهات مع داعش ومع تنظيم القاعدة في مناطق محددة، وليس في أي اتفاقيات مع الجيش الليبي.









