الطور: الاقتصاد يعاني مرضاً مزمناً ورسوم النقد الأجنبي أضرت بالمواطن
قال الأكاديمي والمحلل الاقتصادي، أبو بكر الطور، إن رئيس مجلس النواب كان شريكًا رئيسيًا في إقرار ما يُعرف بالرسم على النقد الأجنبي، مؤكدًا أنها رسوم وليست ضريبة، وهو توصيف بالغ الأهمية من الناحية القانونية والمالية.
وأوضح الطور، في تصريحات لقناة “سلام”، رصدتها “الساعة 24″، أن الرسوم تُعد في العادة من اختصاص الحكومة باعتبارها إيرادات سيادية، إلا في حال تخصيصها ضمن بند خارج الميزانية وتحت حساب سيادي خاص، وهو ما لم تتضح معالمه حتى الآن.
وأضاف أن رئيس مجلس النواب، تملّص مؤخرًا من مسؤولية فرض هذه الرسوم، رغم أن الوقائع تشير إلى أنها مفروضة منذ مارس 2014 بنسبة 27%، قبل أن تُخفض في أكتوبر من العام نفسه إلى 25%، ثم إلى 20%، وهي النسبة التي استمرت حتى عام 2025 ولا تزال مطبقة حتى اليوم.
وأشار الطور إلى أنه، وباحتساب إجمالي قيمة هذه الرسوم خلال السنوات الماضية، فإن حصيلتها تتراوح بين 46 و47 مليار دينار ليبي، واصفًا هذه الكتلة النقدية بأنها “ضخمة للغاية”، وتأتي في المرتبة الثانية بعد إيرادات النفط، في حين لا تتوفر حتى الآن معلومات واضحة حول أوجه إنفاقها أو الأسباب التفصيلية التي فُرضت من أجلها.
وفيما يتعلق بالمسؤولية المؤسسية، حمّل الطور، المصرف المركزي، جزءًا كبيرًا من المسؤولية، باعتباره الجهة التي تتسلم هذه المبالغ وتقيدها في حسابات، سواء كانت حسابات معلقة أو جرى إطفاؤها ضمن الحسابات الختامية للدولة.
كما أوضح أن مسؤولية إقرار هذه الرسوم تعود بالأساس إلى المحافظ السابق للمصرف المركزي، الذي حاول ـ بحسب الطور ـ توزيع المسؤولية بين المصرف المركزي ومجلس النواب، لافتًا إلى أن البرلمان، وافق بسرعة على هذه الرسوم رغم أنها لا تدخل ضمن اختصاصاته.
وشدد الطور، على أن هذه الرسوم، وبوصفها ليست ضريبة، فإن فُرضت ـ يجب أن تعود إلى الدولة كإيراد سيادي تمثلها وزارة المالية، وليس إلى جهات أخرى خارج هذا الإطار القانوني.
وحذّر من دعوة محافظ مصرف ليبيا المركزي للسفر إلى مدينة بنغازي للتشاور بشأن ملف الرسوم وسعر الصرف، معتبرًا أن الظروف الاقتصادية الراهنة لا تسمح بمغادرة المحافظ مقر المصرف المركزي، لما قد يترتب على ذلك من ضغوط أو إشكالات تؤثر في أداء مهامه.
وأوضح الطور، أن مجلس النواب، يمتلك لجنة مالية يمكنها التوجه إلى طرابلس والاجتماع بالمحافظ ومجلس إدارة المركزي في المقر الرئيسي، بدلًا من مطالبة المحافظ بالسفر، مؤكدًا أن عقد اجتماع في طرابلس يعد كافيًا لمناقشة هذا الملف الحساس. وأضاف أن التجربة السابقة مع مجلس النواب، وتحليل طبيعة الشخصيات داخله، تشير ـ بحسب رأيه ـ إلى أن المجلس غير قادر على تقديم حلول اقتصادية حقيقية للأزمة الحالية، معتبرًا أن أسلوب ممارسة الضغوط وفتح الاعتمادات لا يمثل معالجة جذرية للمشكلة.
وشدد المحلل الاقتصادي على أن الأموال العامة تتطلب أعلى درجات الحذر، وأن خبرات المجلس في المجال المالي ـ وفق تقييمه ـ لا تؤهله لتقديم النصح أو إدارة هذا الملف، لافتًا إلى أن محافظ المصرف المركزي أكثر دراية بهذه القضايا.
وفي سياق متصل، أكد الطور، أن الخلل الحقيقي يكمن في سياسة سعر الصرف وآلية تقييم الدينار الليبي، ولا سيما الاعتماد على وحدات حقوق السحب الخاصة، التي قال إنها لا تراعي مستوى الأسعار ولا الوضع الاقتصادي للمواطن، وأسهمت في الإضرار بالقوة الشرائية. مبينا أن هناك بدائل أكثر عدالة لتحديد سعر الصرف، من بينها الاعتماد على أسعار السلع الأساسية، ومتوسط الدخل العام، وبناء سيناريوهات اقتصادية واقعية، بما يسمح بإعادة تقييم سعر الصرف والاستغناء عن الرسوم التي وصفها بأنها ألحقت ضررًا كبيرًا بالمواطن ولم تراعِ أوضاعه المعيشية.
وأبدى الطور، رفضه لهذه الرسوم من حيث المبدأ، سواء سُمّيت ضريبة أو علاوة أو خصم، لأن المشكلة ـ بحسب قوله ـ ليست في التسمية، بل في الأثر الاقتصادي. مبينا أن آلية “العلاوة والخصم” تُستخدم عادة لامتصاص الصدمات الاقتصادية، إلا أن تطبيقها في الحالة الليبية جاء على حساب المواطن، الذي عانى منذ مارس 2014 من فرض الرسوم المتتالية، مذكرًا بأن البلاد شهدت في فترات سابقة رسومًا وصلت إلى 183%.
كما أشار إلى أن رسوم عامي 2018 و2019 ساهمت مؤقتًا في خفض سعر الدولار في السوق السوداء من مستويات قاربت 9 دنانير، إلا أن ذلك لم يعالج أصل الأزمة. ورأى أن المشكلة الجوهرية تكمن في السوق السوداء للعملة، معتبرًا أن القضاء عليها كفيل بحل معظم الأزمات الاقتصادية في ليبيا.
وأكد الطور، أن جوهر الحلول الاقتصادية المطروحة، من وجهة نظر المختصين، يجب أن ينصب أولًا على قيمة الدينار الليبي، باعتباره العامل الأكثر تأثيرًا في حياة المواطن ومستواه المعيشي، لأن تراجع القوة الشرائية للدينار أفقد المواطن القدرة على تلبية احتياجاته الأساسية والعيش بكرامة، مشيرًا إلى أن المواطن، في ظل هذا الوضع، لا يرى أي بوادر حقيقية لتحسن أوضاعه المعيشية.
ووصف الطور، الوضع الاقتصادي الليبي بأنه “حالة مرضية مزمنة”، مؤكدًا أنها لا تحتمل حلولًا مؤقتة أو مسكنات، بل تحتاج إلى إصلاحات جذرية أشبه بالعمليات الجراحية، معتبرًا أن غياب هذه الإصلاحات يحرم المواطن من الاستفادة الحقيقية من مرتباته ودخله.
واعتبر الطور، أن الانقسام السياسي يمثل إحدى أكبر المشكلات التي تعمق الأزمة الاقتصادية، مشددًا على أن أي تحسن يظل مرهونًا بوجود توافق سياسي حقيقي.
ورأى الأكاديمي والمحلل الاقتصادي، أن إعادة الثقة في القطاع المصرفي تمثل المدخل الأساسي لاستعادة السيولة، وتحقيق الاستقرار النقدي، وطمأنة التجار والموردين، بما يعيد تحريك الدورة الاقتصادية بشكل سليم.
وأوضح أن التزام بعض التجار بعدم التعامل بالنقد الورقي والتقيد باستخدام البطاقات المصرفية والصكوك يعد خطوة إيجابية ومهمة، مشيدًا بإجراءات وصفها بالنموذجية، داعيًا جميع التجار والموردين إلى الاقتداء بهذه التجربة لما لها من أثر مباشر في تعزيز الشفافية والحد من الفوضى النقدية.
وأشار إلى أن عملية إعادة الثقة تتطلب دورًا فاعلًا من المختصين في المجال المالي، لافتًا إلى أن الاقتصاديين ليسوا أكاديميين فقط، بل مهنيين عملوا داخل المصارف ويعرفون تفاصيل منظومة الاعتمادات، وما رافقها سابقًا من اختلالات.
وبيّن الطور أن الاعتمادات التي كانت تُدار عبر السوق السوداء شابها العديد من التجاوزات، من بينها الغش التجاري، والاحتيال، والتهرب الضريبي، واستيراد سلع غير مصرح بها، فضلًا عن أضرار جسيمة لحقت بالاقتصاد الوطني، مؤكدًا ضرورة إعادة الدورة الاقتصادية إلى المصارف الرسمية.
وفي هذا السياق، دعا الطور، المصارف إلى منح حوافز حقيقية للمودعين، مشيرًا إلى أنها حققت أرباحًا كبيرة من العمولات، والاعتمادات، وبطاقات الأغراض الشخصية، وتمتلك سيولة كافية تمكنها من تشجيع المواطنين والتجار على إيداع أموالهم داخل الجهاز المصرفي.
وشدد على أن مصرف ليبيا المركزي يجب أن يكون داعمًا للمصارف التجارية، من خلال قرارات واضحة تضمن الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء، مقترحًا آليات مرنة تسمح بتوفير السيولة لمن يودع أمواله، بما يعزز الثقة المتبادلة بين المصارف والمتعاملين معها. كما أكد الطور، ضرورة إعادة النظر في هيكلية إدارات المصارف، معتبرًا أن استمرار بعض العقليات الإدارية الحالية، وما يحيط بها من شبهات فساد، يمثل عائقًا حقيقيًا أمام أي إصلاح، ولا يمكن تجاوز هذه الإشكالات إلا بتغيير الإدارات والمسؤولين المتورطين.
وختم الطور بالتأكيد على أن استعادة الثقة في المصارف ستؤدي إلى عودة الأموال إلى النظام المصرفي، وإنعاش الدورة الاقتصادية، بالتوازي مع إغلاق الأسواق السوداء بكافة أشكالها، بما يحقق استقرارًا ماليًا ونقديًا مستدامًا في البلاد.









