اخبار مميزةليبيا

الخضر: البعثة الأممية عاجزة.. وتيار التأزيم يجرّ ليبيا نحو الإفلاس السياسي

اعتبر الناشط السياسي، عبد الرؤوف الخضر، أن العام 2025م يُعد من أسوأ الأعوام التي مرّت بليبيا على كافة المستويات، واصفاً إياه بعام “تأجيل المؤجّل وتعطيل المعطّل”، في إشارة إلى استمرار إدارة الأزمة بدل حلّها، وتعميق معاناة الليبيين على المستويات السياسية والاقتصادية والخدمية.

وأوضح الخضر في مداخلة على قناة “الوسط”، رصدتها الساعة24، أن الوضع الاقتصادي في العام الماضي بدأ بسعر صرف بلغ نحو 6.25 دينار مقابل الدولار، وانتهى بسعر تجاوز 10.5 دينار، ما يعكس – بحسب وصفه – تدهورًا اقتصاديًا غير مسبوق. كما أشار إلى أن نسبة العجز في تغطية الكهرباء كانت عند دخول العام تقارب 80%، ثم فاقت هذه النسبة عند خروجه، ما يدل على فشل واضح في معالجة أحد أبرز الملفات الخدمية.

وتطرق الخضر، إلى دور بعثة الأمم المتحدة، مبينًا أن عام 2025 شهد تعيين المبعوثة الجديدة “هانا تيتيه”، غير أنه رأى أن البعثة، طوال العام المنتهي، لم تحرّك ساكنًا، وظلت تدور في “حلقة مفرغة” من خلال تشكيل لجان وصفها بالوهمية والهلامية، معتبرًا أن هذه التحركات لم تكن سوى ذرّ للرماد في العيون واستمرارًا في إدارة الأزمة بدل حلّها.

وأكد أن الصراع السياسي الذي اشتد في العام الماضي، وقاده – بحسب تعبيره – “تيار التأزيم ” الذي يسعى إلى جرّ البلاد نحو حالة من الإفلاس العام، بهدف الاستمرار في السلطة. لافتاً إلى أن هذا التيار وصل إلى الحكم عبر مسار جنيف المدعوم من بعثة الأمم المتحدة، رغم تصريحات البعثة الحالية التي تنفي مسؤوليتها عن تغيير السلطة في ليبيا.

وأشار الخضر، إلى أن حكومة الدبيبة الحالية، التي نتجت عن مسار جنيف، تحولت إلى حكومة تأزيم، زادت من سوء الأوضاع بدل معالجتها، محمّلًا البعثة الأممية جزءًا من المسؤولية عن هذا المسار.

وفي سياق متصل، استعرض الخضر، تحركات الشارع الليبي في مارس 2025 للمطالبة بتغيير الوضع القائم، لافتًا إلى إلقاء القبض على عدد من النشطاء في مدينة مصراتة من قبل القوة المشتركة بقيادة عمر بوغدادة، في محاولة – على حد قوله – لكبح جماح الاحتجاجات الشعبية.

وأضاف أن الشارع حاول الخروج مجددًا عقب ما وصفه بـ “التصفية الجسدية البشعة” لرئيس جهاز دعم الاستقرار في طرابلس عبد الغني الككلي في مايو 2025، معتبرًا أن ما حدث لا يرقى إلى توصيفه إلاّ كاغتيال سياسي.

وبينّ الخضر أن موجة الاحتجاجات استمرت خلال شهري يونيو ويوليو، ثم تجددت في بداية أغسطس، حيث تحرك الشارع في طرابلس مطالبًا بإنهاء مشروع التأزيم وإعادة صياغة المسار السياسي في البلاد.

ولفت الخضر، إلى أن حصاد العام 2025 كان مزيدًا من الأزمات وتعميق الانقسام، في ظل غياب حلول حقيقية تعيد الاستقرار وتستجيب لتطلعات الليبيين. وقال إن متابعة نتائج انتخابات البلديات في عدد من البلديات الليبية كشفت بوضوح عن ضعف رغبة المواطنين في المشاركة السياسية، وهو ما تعكسه الأرقام والمؤشرات المسجلة على أرض الواقع.

ورأى الخضر، أن المسؤولية عمّا آلت إليه الأوضاع لا تقع على عاتق جهة بعينها، بل يتحملها المواطن الليبي نفسه، إلى جانب الشعب ككل، نتيجة عدم الانخراط الفاعل في العمل السياسي، سواء عبر المشاركة في الانتخابات، أو من خلال المظاهرات السلمية، أو الضغط المدني المنظم على صُنّاع القرار لإزاحتهم من المشهد السياسي.

واعتبر أن المشاركة الشعبية في الانتخابات البلدية كانت ضعيفة للغاية، مستشهدًا ببلدية بنغازي كنموذج على حجم العزوف، مبيّنا أن تعداد سكان بلدية بنغازي يتجاوز مليونًا و200 ألف نسمة، في حين أن عدد من يحق لهم المشاركة السياسية يتجاوز 430 ألف مواطن، وفقًا للسجلات الرسمية. وأضاف أن بيانات عام 2021 أظهرت أن عدد من يحق لهم التصويت بلغ نحو 433 ألف شخص، إلا أن عدد المسجلين لم يتجاوز 37 ألفًا، ومن قاموا بسحب بطاقاتهم الانتخابية 22 ألفًا و847 ناخبًا فقط، في حين لم يتوجه إلى صناديق الاقتراع سوى أقل من 12 ألف ناخب.

واعتبر الخضر، أن هذه الأرقام تعني أن ما يقارب 10% فقط من سكان المدينة شاركوا فعليًا في العملية الانتخابية، وهي نسبة وصفها بالخطيرة جدًا، معتبرًا أنها مؤشر واضح على أن الاهتمام بالانتخابات يقتصر على شريحة محدودة من المجتمع الليبي.

وقال إن هذا العزوف يعكس واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا ضاغطًا، حيث أصبح المواطن الليبي مثقلًا بالأزمات المتراكمة والمشاكل الحياتية اليومية، إلى درجة أن الانشغال بتأمين لقمة العيش، وتوفير الاحتياجات الأساسية للأسرة بات يتقدم على أي اهتمام بالشأن السياسي أو الانتخابي.

وأوضح أن المواطن، في ظل هذه الظروف، لم يعد معنيًا بمن يتولى المسؤولية أو بكيفية وصوله إلى السلطة، معتبرًا أن الانتخابات بالنسبة لكثيرين أصبحت شأنًا ثانويًا في ظل صعوبات المعيشة، حيث يواجه الليبي صعوبة حقيقية في تأمين احتياجاته الأساسية من أكل وشرب.

وتطرق الخضر، إلى جملة من العوامل الاقتصادية التي فاقمت من معاناة المواطن، من بينها سحب العملة من التداول، وإلغاء فئة الخمسين دينارًا، ثم فئة العشرين دينارًا، إلى جانب تعويم الدينار الليبي ورفع سعر الصرف، فضلًا عن مجمل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة. وأكد على أن هذه هي الحقيقة التي يعيشها الليبيون اليوم، مشددًا على أن ضعف المشاركة السياسية نابع من واقع معيشي خانق جعل المواطن يتنفس بصعوبة، وأفقده الرغبة والقدرة على الانخراط في الشأن العام والمشاركة السياسية.

وتابع: ما تشهده ليبيا منذ عام 2011 وحتى اليوم يعكس إرادة سياسية متعمدة لإقصاء مبدأ المحاسبة، معتبراً أن هذا الخيار لم يكن عرضياً، بل جاء بهدف الابتعاد عن فتح ملفات المساءلة والكشف عن الفساد.

وأردف: جميع الحكومات التي تعاقبت على السلطة منذ 2011 غادرت دون أن تُجري أي شكل حقيقي من المحاسبة، مشيراً إلى أن هذا النهج تكرر مع المكتب التنفيذي، ثم الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الرحيم الكيب، والحكومة الليبية المؤقتة الأولى برئاسة علي زيدان، وحكومة “الإنقاذ” برئاسة خليفة الغويل، إضافة إلى الحكومات الموازية بقيادة عمر الحاسي، والحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، وصولاً إلى حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، ثم حكومة الدبيبة، إلى جانب حكومة الاستقرار برئاسة فتحي باشاغا، وأخيراً حكومة الدكتور أسامة حماد.

وأكد الخضر، أن مفهوم المحاسبة غائب تماماً عن المشهد السياسي الليبي، موضحاً أن ما يُدار في الواقع هو إدارة أزمة لا تهدف إلى حل جذري، بل إلى إدامة الوضع القائم. وأضاف أن من يدير الأزمة غالباً ما يسعى إلى التهرب من فتح ملفات الفساد، لأن ذلك سيقود – بحسب تعبيره- إلى الدخول في لبّ الفساد وتيار التأزيم الذي يدفع ليبيا نحو الغرق.

وحذر الخضر، من أن استمرار هذا المسار يهدد وجود الدولة نفسها، ويدفع الشعب الليبي نحو الفناء، معتبراً أن ليبيا قد تتحول في النهاية إلى صحراء قاحلة، بلا مقدرات أو ثروات أو حتى شعب، ولا يمكن العيش فيها بسهولة. وأشار إلى أن الحديث عن هذه القضايا يتم بلغة صعبة ومؤلمة، لكنه ضروري في ظل ما وصفه بالاقتراب من إفلاس كامل للدولة. لافتا إلى أن الدين العام بلغ مستويات مرتفعة جداً، في ظل وجود أموال مجمدة مجهولة المصدر والمصير، وأموال تُصرف دون وضوح مصادرها، إلى جانب تهريب ممنهج لمقدرات الشعب عبر السلطة القائمة في طرابلس.

وتطرق الخضر، إلى ما وصفه بعمليات بيع أصول استراتيجية للدولة، شملت خطوطاً رئيسية في قطاع الاتصالات، وكوابل وخطوطاً أساسية في قطاع الكهرباء، مؤكداً أن ذلك يجري في سياق تخريب منظم، لما تبقى من مقدرات ليبيا.

ودعا الخضر، إلى فتح حوار حقيقي وجاد حول مسألة المحاسبة، وفتح باب الكشف الشامل عن الفساد، مشيراً إلى أن تقرير ديوان المحاسبة في ختام العام 2025 كشف عن صرف 616 مليار دينار خلال الفترة من 2021 إلى 2025، إضافة إلى نحو 200 مليار دينار فيما عُرف بعمليات “البيع بالمقابلة”، ما يرفع إجمالي المبالغ المتداولة إلى أكثر من 800 مليار دينار.

واختتم الخضر، مداخلته متسائلاً عن أوجه إنفاق هذا المبلغ الضخم، مذكّراً بتصريحات الراحل محمود جبريل في عام 2011، عندما قال إن 400 مليار دينار كفيلة بجعل ليبيا دولة نامية ومتقدمة، منوهاً إلى أن ليبيا اليوم أنفقت، وفق الأرقام المعلنة، نحو 816 مليار دينار، دون أن ينعكس ذلك على واقع الدولة أو حياة المواطنين، في ظل استمرار غياب المحاسبة وتفشي الفساد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى