القماطي: غياب الحسابات الختامية سبب رئيسي لتفاقم الدين العام

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور حلمي القماطي، أن تقرير ديوان المحاسبة لعام 2024 صدر متأخرًا، في وقت دخلت فيه ليبيا مطلع العام 2026، معتبراً أن هذا التأخير يفاقم حالة الدولة التي أنهكها الانقسام السياسي، واستشرى فيها الفساد إلى حد تصنيفها ضمن أكثر ست دول فسادًا على مستوى العالم.
وأوضح القماطي، في تصريحات لقناة “سلام”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن الواقع القائم يجعل من الصعب تبرئة أي مؤسسة من المسؤولية، مشيرًا إلى أن الجهات التي أصدرت التقرير لا تخلو بدورها من شبهة التقصير، مؤكدًا أن ما يطرحه لا يأتي في إطار توجيه اتهامات بقدر ما يعكس حقيقة مريرة تعيشها البلاد.
وأشار إلى أن تقرير ديوان المحاسبة كشف عن دين عام مقيد يُقدّر بنحو 86 مليار دينار، يقابله دين غير مقيد يصل إلى 186 مليار دينار، موضحًا أن هذا الرقم الأخير لا يُعد نتيجة مباشرة لإخفاق حكومة المنطقة الشرقية، أو لعملية استقصاء محددة، بل يرتبط بطبيعة عمل ديوان المحاسبة الموجود في المنطقة الغربية، والذي يتبع المنظومة الخاضعة لحكومة الدبيبة، ولا يملك قدرة فعلية على تغطية سوى نحو 25% من الجغرافيا الليبية الخاضعة لتلك الحكومة.
وأضاف القماطي أن ما يرد في التقرير بشأن بقية المناطق يعتمد على بيانات تُرسل إلى الديوان دون تنسيق مباشر مع ديوان المحاسبة في المنطقة الشرقية، وهو ما يفسر حجم التباين والاختلاف الكبير في الأرقام، ويفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول دقة وشمولية البيانات المالية.
وفيما يتعلق بالدين العام، شدد القماطي على أنه يُعد مرتفعًا وخطيرًا بالنسبة لدولة تعتمد بشكل شبه كلي على مورد وحيد هو النفط، لافتًا إلى أن هذا المورد نفسه يعاني من تذبذب حاد.
وبيّن أن النفط كان يغطي تاريخيًا نحو 97% من الإيرادات العامة، بينما تراجعت هذه النسبة في عام 2024 إلى نحو 76% فقط، منها قرابة 50% مقيدة في الميزانية، في حين لم يُسجّل نحو 25 إلى 26% ضمن الموازنة العامة.
وأوضح أن جانب النفقات يُعد من اختصاص الحكومة ووزارة المالية، إلا أن وجود حكومتين متوازيتين خلق حالة من الازدواجية في الإنفاق، وأفقد السياسة المالية فاعليتها، وأسهم في تعميق الفوضى المحاسبية وغياب الانضباط المالي.
وحول الأرقام المتعلقة بالدين غير المسجل، اعتبر القماطي أن وجود 186 مليار دينار خارج القيود الرسمية يمثل خللًا جوهريًا لا يمكن اعتباره أمرًا طبيعيًا بأي معيار اقتصادي، مؤكدًا أن هذا الوضع لا يعكس صورة حقيقية للاقتصاد الليبي، ويستدعي الوقوف الجاد أمام هذه المؤشرات.
وأضاف أن هيكلية الدين العام تعكس بدورها إشكاليات أعمق، موضحًا أن حكومة شرق البلاد لا تملك مخصصات معتمدة أصلًا ضمن الميزانية العامة، ما يجعل تضخم الدين في تلك المنطقة أمرًا متوقعًا، في مقابل استمرار تراكم التزامات مالية كبيرة في ظل حكومة الوحدة الوطنية رغم إعلانها تحقيق فوائض مالية.
وشدد القماطي بالتأكيد على أن ما وُصف بالفائض المالي في السنوات الأخيرة لا يعدو كونه فائضًا محاسبيًا وهميًا، إذ لم يُستغل في إطفاء الدين العام أو الحد منه، محذرًا من أن استمرار هذا المسار يشكل إشكالية خطيرة على مستوى الاقتصاد الكلي للدولة، ويهدد الاستقرار المالي على المدى المتوسط والطويل.
وفيما يخص ملف الدين العام، أوضح أستاذ الاقتصاد، أن الأرقام المتداولة بشأن الدين العام تعكس واقع الإنفاق العام والإنفاق المزدوج الناتج عن انقسام الدولة وتعدد المؤسسات، معتبرًا أن تضخم الدين في ظل هذا الوضع يُعد أمرًا متوقعًا وطبيعيًا.
وأشار القماطي إلى أن قرار إطفاء الدين العام الذي حدده مجلس النواب عند سقف 303 مليارات دينار لم يصدر عن المؤسسة التشريعية وحدها، بل استند أيضًا إلى تقرير صادر عن مصرف ليبيا المركزي، الذي حدد هذه القيمة، لافتًا إلى أن المصرف المركزي، خاصة خلال عام 2025، لم يقدم رقمًا نهائيًا ثابتًا، وإنما تحدث عن تقديرات واحتمالات بوصول الدين إلى هذا المستوى، في حين أعلن مجلس النواب رقمًا محددًا بلغ 303.4 مليارات دينار.
وأضاف أن هذا التباين يعكس غياب رقم دقيق ومرجح، مؤكدًا أن من غير المنطقي اقتصاديًا اعتماد ميزانيات عامة في ظل غياب الحسابات الختامية، موضحًا أن أي دولة مستقرة لا تعتمد ميزانيتها إلا بعد إقرار الحسابات الختامية للفترة السابقة، وهو ما لم يحدث في ليبيا، الأمر الذي ساهم في استمرار تضخم الدين العام وتزايده عامًا بعد آخر.
وأكد القماطي أن الأزمة لا يمكن وصفها بمجرد خلل عابر، بل هي حالة اختلال شامل تعيشها ليبيا، يشمل الجوانب التشريعية والتنفيذية والمؤسسية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ملف الدين العام وغيره من الملفات الاقتصادية الحساسة.
وبيّن أن الدين العام، وفق نشرات مصرف ليبيا المركزي، ظل مطروحًا للنقاش منذ فترة، سواء عبر تقارير المصرف أو من خلال ما عرضته لجان مختصة مثل لجنة السياسة النقدية، إلا أن الإشكالية الحقيقية، بحسب تعبيره، تكمن في استمرار ارتفاع الدين دون وضع حلول جذرية، متسائلًا عن أسباب عدم إطفاء الدين في وقت سابق إلى أن وصل إلى مستويات تقارب 303 مليارات دينار.
وتساءل القماطي عن مصير الفائض المحاسبي الذي تحقق خلال السنوات الماضية، متحدثًا عن وجود فائض محاسبي قُدّر بنحو 31 مليار دينار، لم يُوجَّه لإطفاء الدين العام، مرجحًا أن يكون توظيفه قد تم لأغراض ذات طابع سياسي، بدلًا من معالجته كأولوية اقتصادية.
وانتقد الآليات التي طرحها مجلس النواب لإطفاء الدين العام، وعلى رأسها اقتطاع نسبة 3% من إجمالي إيرادات الخزانة العامة، إضافة إلى الاقتطاع من فائض حصة الخزانة لدى المصرف المركزي، معتبرًا أن هذه الآليات غير منطقية ولا تتحملها الدولة في وضعها الاقتصادي الراهن.
وشدد على أن إطفاء الدين العام بهذه الصيغة، حتى في حال الشروع فيه، لن يؤدي إلى حل المشكلة، لأن الدين سيظل قائمًا ويتجدد، موضحًا أن الأزمة لا تكمن في مجرد إعلان إطفاء الدين، بل في غياب منهجية اقتصادية واضحة، وسياسات مالية رشيدة، في دولة تخضع قراراتها المالية لتجاذبات واعتبارات بعيدة عن الأسس الاقتصادية السليمة.
وتابع: الطرق المعلنة لإطفاء الدين العام غير قابلة للتطبيق عمليًا، واصفًا تنفيذها بأنه صعب للغاية، محذرًا من أن استمرار إصدار قرارات وأرقام متزايدة عبر الجريدة الرسمية دون حلول واقعية، يعني أن البلاد لا تزال أمام أزمة حقيقية مفتوحة في ملف الدين العام.
وأضاف أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن الدين العام في جوهره يمثل التزامًا مترتبًا على الحكومة نتيجة إنفاقها، سواء أُنفقت تلك الأموال في أوجه صحيحة أو أُهدرت واتسع نطاقها، مشددًا على أن هذا الدين يظل دينًا قائمًا لا يمكن القفز عليه بالحلول الشكلية.
وانتقد القماطي الطرح القائل بتحميل مصرف ليبيا المركزي مسؤولية إطفاء الدين العام عبر أدواته ونسب اقتطاع تصل إلى 15% أو 27%، متسائلًا عن الجهة التي تملك صلاحية فرض مثل هذه القرارات، معتبرًا أن هذا التوجه غير قابل للتطبيق عمليًا، إذ لا يمكن للمصرف المركزي أن يقوم عمليًا بتمويل الحكومة لتغطية دينها، وهو في الأصل الجهة التي أقرضتها، واصفًا هذا الطرح بأنه أقرب إلى تصور نظري اقتصادي معقد، وليس حلًا واقعيًا قابلاً للتنفيذ.
وبشأن ملف التنمية، أوضح القماطي أن تقارير السنوات 2024 – 2025 تشير إلى ضعف المخصصات الفعلية للتنمية، رغم أن مجلس النواب حدد أرقامًا تصل إلى 69 مليار دينار ضمن ما سمي بخطة التنمية، لافتًا إلى وجود إنفاق موازٍ آخر خارج هذه المخصصات، حيث تنفق كل جهة وفق آلياتها الخاصة، ما يعكس غياب رؤية موحدة.
وأكد أن النظرية الاقتصادية الحديثة تشدد على ضرورة استمرار الإنفاق التنموي حتى في فترات الأزمات والركود، بل إن التنمية تصبح أكثر إلحاحًا في الاقتصادات الضعيفة والمتعثرة، متسائلًا في الوقت ذاته عن جدوى تنمية تستمر خارج منظومة الرقابة الفعلية.
وأشار القماطي إلى أن الإشكالية لا تتعلق بغياب مؤسسات رقابية من حيث الشكل، إذ توجد دواوين محاسبة وأجهزة رقابة في الشرق والغرب، غير أن هذه المؤسسات نفسها تعاني من الانقسام، شأنها شأن بقية مؤسسات الدولة، ما يفتح المجال واسعًا أمام الفساد ويجعل الرقابة منقوصة وغير فاعلة.
ولفت إلى أن ليبيا مصنفة منذ سنوات ضمن الدول الأعلى فسادًا على مستوى العالم، معتبرًا أن استمرار الانقسام السياسي والاقتصادي دون الالتفات إلى الاقتصاد الكلي للدولة يهدد حقوق الأجيال القادمة، رغم ما تملكه البلاد من ثروات طبيعية واحتياطيات كان من المفترض أن تجعلها في موقع متقدم اقتصاديًا، لا مجرد دولة تعتمد على تصدير النفط دون تنمية حقيقية أو بنية تحتية فاعلة.
وتساءل القماطي عن غياب الشفافية في الإعلان عن أوجه الصرف، مشددًا على أنه إذا كانت الأموال تُنفق فعلًا لصالح المواطن، فلماذا لا تُنشر البيانات بوضوح، ولماذا لا تصدر تقارير رسمية تحدد متى سُحبت الأموال من المصرف المركزي، وأين صُرفت، وعلى أي مشاريع، بدل إبقائها طي الكتمان.
وأوضح أن المصرف المركزي ليس جهة حاكمة بحد ذاته، بل يعمل ضمن منظومة يفترض أن تخضع لرقابة الأجهزة المختصة، وفي مقدمتها ديوان المحاسبة، مؤكدًا أن الإشكال الحقيقي يكمن في تعطل هذه المنظومة الرقابية نتيجة الانقسام السياسي.
وفي سياق حديثه عن الشرعية، أشار القماطي إلى أن حكومة الوحدة المؤقتة هي المعترف بها دوليًا، سواء من مجلس الأمن أو المجتمع الدولي، في حين لم تحظَ حكومة حماد باعتراف دولي، مؤكدًا أن هذا الواقع لا يعني إعفاء أي حكومة من النقد أو المساءلة، لافتًا إلى أن تقرير ديوان المحاسبة انتقد بوضوح مصروفات حكومة الدبيبة في تقرير موسع تجاوز مئات الصفحات، واحتوى على أرقام وتفاصيل منشورة.
وختم القماطي بالتأكيد على أن مطلب الشفافية والمحاسبة يخص المواطن الليبي في الشرق والغرب على حد سواء، معتبرًا أن غياب التنسيق بين ديوان المحاسبة في المنطقتين يعكس عمق الانقسام السياسي والاقتصادي، ويحول دون الوصول إلى حقيقة كاملة، في دولة تعاني انقسامًا شاملًا طال السياسة والاقتصاد ومختلف مفاصل الحياة العامة.









