بوسعيدة: مجلس الدولة يتجاوز اختصاصاته لإحراج البرلمان

قال المحلل السياسي عمر بوسعيدة إن السجال السياسي الحالي في ليبيا “ليس جديدًا”، وإنما يُعد استمرارًا لحالة “التخبط” وانعدام التنسيق بين مجلسي النواب والدولة.
وأوضح بوسعيدة في حديث لقناة “ليبيا الأحرار” الممولة من قطر، أن الأزمة الحالية تتجلّى في محاولات الطرفين تدوير الأزمة وتحميل كل طرف الآخر مسؤولية الأحداث والمتغيرات السياسية في البلاد.
وأشار بوسعيدة إلى أن ما قام به المجلس الأعلى للدولة مؤخرًا يُعد خطوة من غير اختصاصه، واصفًا إياه بأنه “إحراج لمجلس النواب”، مبينًا أن اختصاصات مجلس الدولة تقتصر على الاستشارات وإبداء الرأي، وليس اتخاذ قرارات تنفيذية مثل انتخاب مفوضية أو إدارة شؤون محددة، وفق ما نص عليه اتفاق الصخيرات وقرارات مجلس الأمن الداعمة لهذا الاتفاق في ديسمبر 2015، والتي تنظّم العمل بين المجلسين.
وأضاف بوسعيدة أن الخلاف بين المجلسين مستمر منذ إعلان اتفاق بوزنيقة في ديسمبر 2021، مؤكدًا أن الأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية كانت قابلة للحل لو توفرت نية صافية للتعاون بين الطرفين. معتبراً أن التجاذب المستمر بين المجلسين يهدد مصير الدولة الليبية، ويتركها في حالة من عدم الاستقرار.
وأوضح أن الأزمة الحالية شهدت أيضًا تدخلات دولية، سواء من دول غربية تسعى لاستقرار الوضع أو من دول أخرى تسعى لتعقيده، ما يجعل المشهد السياسي الليبي أكثر تعقيدًا، ويؤكد استمرار مسلسل الخلافات السياسية دون حلول جذرية، ما يزيد من مخاطر تهديد كيانية الدولة.
وقال بوسعيدة أن المفوضية العليا للانتخابات هي جسم فني تنفيذي يختص بالإشراف على العملية الانتخابية، ولا ينبغي إدخاله في صراعات سياسية بين الأطراف. وأضاف: “في دول أخرى، قد يكون رئيس المفوضية غير معروف للشارع، فلماذا الإصرار على وضع هذا الجسم الفني في مواجهات سياسية؟”.
وأكد بوسعيدة أن المفوضية تعمل في ظروف استثنائية ضمن مراحل انتقالية لم تنته بعد، وأن المجتمع الدولي يتابع عن كثب هذه المرحلة، فيما تسعى بعض الأطراف السياسية المحلية لاستغلال الوضع لتحقيق مكاسب مؤقتة وتأجيل الانتخابات.
ولفت إلى أن المفوضية تمثل الشرعية القائمة على أرض الواقع، بغض النظر عن الاختصاصات القانونية بين المجلسين، وأن استمرارها ضروري للوصول إلى حل سياسي حقيقي وإنهاء مراحل الانتقال الطويلة منذ عام 2011.
وأشار إلى أن البعثة الأممية تبدو متماهية مع الوضع الحالي، حيث تراعي طرفًا على حساب آخر، ولا تتحرك إلا عند توفر إرادة حقيقية من المجتمع الدولي لدفع الأطراف السياسية نحو التقدم وإنهاء الأزمة.
ورأى بوسعيدة أن هذا التماهي يظهر في كل إحاطة وبيان يصدر عن البعثة، مؤكدًا أن الوضع الحالي يعود بالفائدة على الأطراف السياسية المستفيدة من استمرار الأزمة، بينما المتضرر الوحيد هو المواطن الليبي ووحدة الدولة، ما يهدد مستقبل البلاد ويقربها من الانقسام.
وأكد بوسعيدة أن الحل يتطلب ضغطًا دوليًا فعليًا وتعاونًا داخليًا حقيقيًا بين كل الأطراف لإنهاء مرحلة الانتقال واستكمال المسار الديمقراطي عبر الانتخابات، بعيدًا عن المناورات السياسية التي تؤخر الاستقرار وتضر بالمصلحة الوطنية.
من جهة ثانية اعتبر المحلل السياسي أن تصريحات رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، على الرغم من اختلافه مع عدد من النقاط، إلاّ أنها تُعد تصريحات واقعية عند إسقاطها على المشهد الليبي الراهن، مشيراً إلى أن ما طرحه يعكس حقيقة الوضع المتأزم الذي تعيشه البلاد، مؤكدًا أن الخلاف حول قبول هذه التصريحات أو رفضها مسألة أخرى، لكن من الضروري التعامل معها بجدية.
وقال بوسعيدة إن حديث المستشار صالح حول خطورة استمرار الوضع الحالي يعكس حقيقة تهديد كيان الدولة الليبية، وليس فقط معاناة المواطنين الذين أصبحوا عالقين بين صراعات هذه الأجسام. ولفت إلى أن التغيير السياسي بات ضرورة ملحة، مؤكدًا أن الأزمة ليست في الداخل الليبي بقدر ما هي مرتبطة بتداخلات خارجية. مؤكداً أن ليبيا لم تعد تحتمل استمرار هذا الوضع، محذرًا من أن الإصرار المتعمد من قبل الأجسام السياسية على إطالة أمد المرحلة الانتقالية سيؤدي إلى نتائج كارثية.
وشدد على أن الحل يكمن في الوصول إلى انتخابات حقيقية، وتجاوز الخلافات السياسية، وتهيئة الأرضية لسلطة تنفيذية وتشريعية منتخبة تكون مخولة بإنهاء حالة الانقسام التي أنتجتها الأجسام الحالية على مدى سنوات.
وأوضح أن الليبيين في حد ذاتهم ليسوا المشكلة، بل إن المشكلة تكمن في الأجسام السياسية الحالية، مبينًا أنه لو توفرت إرادة دولية حقيقية، وصدرت قرارات واضحة من مجلس الأمن، فإن جميع الأطراف ستنصاع للحل.
وأردف: الاستمرار في سياسة إدارة الأزمة وتجميل الواقع السياسي يشكل خطرًا حقيقيًا على البلاد، لما له من انعكاسات سلبية على الدولة والمواطن والاقتصاد. وحذر من أن استمرار الانسداد السياسي سيقود إلى تقسيم فعلي ومباشر، وليس مجرد انقسام غير معلن، مؤكدًا أن أي تأخير في التغيير السياسي سيعمّق الأزمة ويجعل كلفة الحل أكبر.
وختم بوسعيدة بالتأكيد على أن الضغط الدولي الحقيقي، بالتوازي مع توافق إقليمي، كفيل بإحداث تحول في المشهد السياسي الليبي، وإنهاء حالة الاستعصاء التي تعيشها البلاد، مشددًا على أن استمرار الوضع الحالي لم يعد خيارًا ممكنًا.









