الفرجاني: محاولة تغيير هوية مصرف الجمهورية لا تتناسب مع طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد

قال المهتم بالشأن الاقتصادي، أحمد الفرجاني، إن استقالة المدير العام لمصرف الجمهورية، كانت متوقعة، مرجعًا ذلك إلى ما وصفه بالبداية غير الموفقة لإدارته للمصرف نتيجة اتخاذ جملة من الإجراءات الخاطئة التي كان يعتقد أنها صحيحة، لكنها أثبتت عدم جدواها.
وأوضح الفرجاني، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، أن من بين هذه الإجراءات تكليف شركة أردنية غير معروفة بتقييم مصرف الجمهورية وموظفيه، إضافة إلى الشروع في تغيير شعار المصرف، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوات لا تندرج ضمن آليات التحديث أو تطوير البنية التحتية، ولا تتناسب مع طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد.
وشدد على أن مصرف الجمهورية يعد مؤسسة مالية عريقة وركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الليبي، إذ يحتضن نحو 70 في المئة من حسابات الليبيين، معتبرًا أن العبث بالمصرف يمثل مغامرة غير محسوبة العواقب.
وأضاف أن استمرار المصرف وصموده مسألة في غاية الأهمية، لافتًا إلى أن غياب مصرف الجمهورية أو مصرف الوحدة أو المصرف التجاري الوطني كان سيقود إلى توترات شعبية منذ وقت طويل، لولا الدور الاقتصادي الكبير الذي اضطلعت به هذه المصارف في خدمة الزبائن.
وأشار الفرجاني، إلى أن جميع زبائن مصرف الجمهورية يحصلون على خدمات مصرفية، ولا يكاد يوجد زبون مدين للمصرف، ما يجعل المحافظة عليه ضرورة قصوى. مؤكدا أن المرحلة الراهنة لا تحتمل التركيز على الابتكار والحداثة بقدر ما تتطلب الاستمرارية والصمود، في ظل أوضاع سياسية واقتصادية صعبة تعاني منها الدولة، تشمل الانقسامات والتدخلات الخارجية ومشاكل متعددة.
وأكد الفرجاني، أن المصارف التجارية وفروعها تمثل خط الدفاع الأول عن الدولة، وينبغي إبعادها عن أي تجاذب أو مخاطر، معتبرًا أن تعيين مدير عام من خارج المؤسسة يمثل خطأ، في وقت يزخر فيه المصرف بكوادر مؤهلة ومتميزة.
وبيّن أن أبناء المؤسسة أكثر حرصًا عليها، ويعرفون تفاصيلها ويشعرون بالانتماء إليها، وحتى في حال وقوعهم في الخطأ يكون ذلك غير مقصود، على عكس من يتم جلبه من خارجها، مشيرًا إلى أن تجارب سابقة مع مدراء عامين من خارج قطاع مصرف الجمهورية لم تحقق النجاح.
وفي تقييمه لمجلس الإدارة الحالي لمصرف الجمهورية، قال الفرجاني، إنه، حسب اعتقاده وتوقعه، يعد أفضل مجلس إدارة مرّ على المصرف، نظرًا لما يضمه من نخبة وصفها بالممتازة، وعلى رأسها رئيس مجلس الإدارة الدكتور علي أبو صلاح، ونائبه الدكتور عبد الرؤوف النجار، مؤكدًا أن رئيس المجلس مصرفي معروف، ويتوقع أن يقود المصرف بخطوات جيدة وإيجابية.
وفي محور آخر، قال الفرجاني، إن المصرف المركزي انتهج مؤخرًا سياسة الصرافة الإلكترونية واعتمدها بشكل رسمي، مع إلزام المصارف الليبية العاملة في القطاع المصرفي بالانخراط فيها وفرض عقوبات على الجهات المخالفة، إلا أن تقييم هذه السياسة في السياق الليبي يفرض كثيرًا من التحفظات.
وأوضح أن الخدمة الإلكترونية معتمدة في جميع دول العالم، ولا يرفضها أحد من حيث المبدأ، غير أن تطبيقها في دولة مثل ليبيا يختلف جذريًا، معتبرًا أنه لا يمكن وضع حياة المواطن الأساسية بالكامل في تطبيق إلكتروني في ظل واقع دولة منقسمة تعاني من تدخلات خارجية، ومنظومات مصرفية موجودة خارج البلاد، فضلًا عن غياب شبكة كهرباء آمنة ومستقرة، وشبكة اتصالات موثوقة، وعدم توفر منظومة دفاع سيبراني للأمن القومي قادرة على حماية البنوك والشركات والأجهزة.
وأشار إلى أن بناء منظومة حماية سيبرانية متكاملة يتطلب سنوات طويلة واستثمارات بمليارات، مبينًا أن أي هجوم إلكتروني بسيط قد يعطل شركة اتصالات لأيام، في حين أن هجومًا سيبرانيًا واسعًا قد يشل الدولة بالكامل.
وأكد الفرجاني، أن الدفع الإلكتروني في الوضع الليبي الحالي يمثل مخاطرة حقيقية، موضحًا أن النقد الورقي “الكاش” يظل الأكثر أمانًا للدولة وللمواطن في مثل هذه الظروف، متسائلًا في الوقت نفسه عن غياب السيولة، ومعتبرًا أن على المصرف المركزي انتهاج سياسة نقدية واضحة، بما في ذلك طباعة عملة إضافية أو إيجاد حلول عملية لمعالجة الأزمة.
وبيّن أن الصرافة الإلكترونية، في حال تعرضها لهجمات سيبرانية داخلية أو خارجية، قد تستنزف الدولة، لافتًا إلى أن حتى التداول بالعملة الورقية مهدد في ظل وجود السوق السوداء، إلا أن النقد يظل وسيلة الدفاع الأولى في أوقات الحروب والنزاعات والانقسامات، كما هو الحال في أي دولة تشهد أزمات، حيث يصبح الاعتماد على الكاش وفروع المصارف أمرًا حتميًا.
وأوضح أن الخدمات الإلكترونية، تصبح خيارًا مناسبًا فقط عندما تكون الدولة مستقرة، ذات قرار سيادي موحد، وحكومة واحدة، وأمن مستتب، وشبكات كهرباء واتصالات آمنة وقوية، حينها يمكن الاستغناء عن السيولة الورقية واستخدام البطاقات والتطبيقات دون مخاوف.
وحذر الفرجاني، من أن فرض الخدمات الإلكترونية على المواطنين في الوضع الراهن يعد مغامرة، مشيرًا إلى أنها تسببت في شلل اقتصادي، وأزمة اقتصادية، وأسهمت في خلق أسواق موازية، وأفرزت العديد من المشكلات، معتبرًا أن هذه الخدمات تمثل نعمة ونقمة في آن واحد.
كما انتقد قرار المركزي بإلغاء العمولة على سحب البطاقات من المصارف التجارية، موضحًا أن العمولة السابقة كانت بسيطة على المواطن، لكنها تمثل مصدر دخل مهم للمصارف، خاصة أن المصارف تمتلك ملايين الحسابات، ولديها مصروفات تشغيلية كبيرة تشمل المرتبات والميزانيات والتكاليف السنوية التي قد تصل، في مصارف كبرى مثل مصرف الجمهورية، إلى مئات الملايين سنويًا، متسائلًا عن كيفية تغطية هذه المصروفات في ظل إلغاء تلك العمولات.
وفيما يتعلق بالسيولة النقدية، قال الفرجاني، إن مصرف الجمهورية يتمتع بانتشار واسع على مستوى ليبيا، إذ يضم نحو 161 فرعًا، إضافة إلى ما يقارب 25 إلى 26 ألف آلة سحب ذاتي موزعة في مختلف المناطق، معتبرًا أن هذا العدد جيد جدًا في الوضع الحالي، مع الحاجة إلى إضافة عدد بسيط لتحسين مستوى الخدمة.
وأوضح أن توزيع السيولة داخل المصرف يتم عبر تخصيص جزء للفروع وجزء لآلات السحب الذاتي، ما يتيح للمواطنين السحب من الآلات بقيمة تصل إلى نحو ألف دينار، ومن الفروع بقيمة تقارب ألفي دينار، مؤكدًا أن هذا التنظيم يهدف إلى تمكين أكبر عدد ممكن من المواطنين من الحصول على السيولة، خاصة أن آلات السحب الذاتي تعمل خارج أوقات الدوام الرسمي وتوفر الخدمة في أي وقت.
وأكد أن المصرف لا يفرض قيودًا تعسفية على السحب، وإنما يحدد سقوفًا مختلفة بين الشباك وآلات السحب الذاتي لضمان العدالة في التوزيع، مشيرًا إلى أن الاعتماد على الآلات يخفف الضغط على الفروع ويساعد في تلبية احتياجات المواطنين، لا سيما في أوقات الذروة.
وفي تقييمه لإجراءات المصرف المركزي الأخيرة المتعلقة بسحب العملة النقدية، انتقد الفرجاني، ما وصفه بالطريقة العشوائية وغير المدروسة، موضحًا أن المصرف كان من المفترض أن يوفر العملة أولًا في السوق قبل سحب الفئات المستهدفة، إلا أن ما حدث أدى إلى جفاف السيولة وعدم تغطية النقص، ما تسبب في إشكاليات واسعة.
ورأى أن محاربة التجارة تعد من أكبر المشكلات التي انعكست سلبًا على الأسعار وسوق الصرف، معتبرًا أن هذه السياسات كانت من أسباب ارتفاع سعر الدولار من مستويات أقل إلى مستويات أعلى، محذرًا من أن الحرب على التجارة تصيب المواطن في المقام الأول.
وشدد الفرجاني، على أن الدور الصحيح للمصرف المركزي، يجب أن يقوم على احتواء التجارة لا محاربتها، من خلال اختيار تجار موثوقين والتعامل معهم في الاعتمادات، وتوفير العملة لهم مقابل التزامات واضحة، بما يشجعهم على الإيداع داخل المنظومة المصرفية. وأكد أن احتواء التجار الكبار ودفعهم إلى الإيداع بمبالغ كبيرة يعزز الاستقرار المالي، في حين أن محاربتهم تدفعهم إلى محاربة الدولة بدورهم، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية.









