«الفارسي»: الأسر الليبية تنفق أكثر من %80 من دخلها على الاحتياجات الأساسية كالزيت والطماطم

اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أيوب الفارسي، أن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها وزارة الاقتصاد، ومصرف ليبيا المركزي، بما في ذلك تسعير بعض السلع الأساسية مثل الزيت والأعلاف، تمثل خطوة مهمة نحو استقرار السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطن، لكنها غير كافية إذا لم تُواكب بسياسات شاملة لضبط الكميات ومراقبة الأسعار في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.
وأضاف «الفارسي»، في تصريحات لقناة «ليبيا الأحرار»، ورصدتها «الساعة24»، أن السنوات الماضية شهدت تغولًا من بعض التجار على المواطنين؛ حيث لم تنعكس أي تخفيضات في سعر الصرف على الأسعار الفعلية في السوق، بسبب غياب الرقابة الفعلية للدولة وضعف إدارة الاعتمادات المستندية.
وأشار إلى أن بعض التجار يحصلون على الدولار بسعر منخفض من الدولة، بينما يضطر آخرون للتعامل مع السوق الموازي، ما يخلق تفاوتًا كبيرًا في الأسعار، ويفتح المجال للفساد في ملف الاعتمادات، مؤكّدًا أن الفساد في هذا الملف حقيقة معروفة ويحتاج إلى معالجة متكاملة.
وأوضح أن الملف الإصلاحي لا يقتصر على التسعير فقط، بل يشمل تحديد الكميات المستوردة لضمان وصول السلع إلى السوق الليبي ومنع أي تهريب أو إعادة تصدير غير قانونية، بما يحمي الأمن القومي ويقلل من هدر النقد الأجنبي، خاصة أن نحو 14 مليار دولار تُنفق سنويًا على سلع لا تلبي حاجة المواطنين الأساسية أو تُعتبر كمالية.
وأوضح أن اعتماد آليات السوق الحر في ظل أزمة اقتصادية حادة لن يحقق أهدافه؛ لأن بعض التجار يتصرفون وفق «تجار الأزمة»، ما يفرض على الدولة التدخل بالقانون لتسعير السلع الأساسية بشكل عادل، خصوصًا أن الأسر الليبية تنفق أكثر من 80% من دخلها على الاحتياجات الأساسية مثل الزيت والسكر والطماطم.
وأكد أن القانون التجاري رقم 23 لسنة 2010، وبخاصة المادة 1284 الخاصة بحماية المستهلك، يمنح وزير الاقتصاد سلطة تسعير بعض السلع الأساسية في حالات الطوارئ أو الظروف الاستثنائية، مشددًا على أن الأزمة الاقتصادية الحالية تعتبر من أخطر الظروف الطارئة التي تستدعي تدخل الدولة لحماية المواطنين.
وأضاف أن الإجراءات المكملة للمصرف المركزي، والتي تشمل تفعيل منظومة الاعتمادات وتوفير الدولار للتجار، ستحد من الحاجة للسوق الموازي وتربط التسعير بالكمية الفعلية للسلع، ما يسهم في ضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمستهلكين.
كما أشار إلى أن الإجراءات الأخيرة للوزارة شملت تحديد الكميات المطلوبة من السلع الأساسية، مشددًا على أن هذا الإجراء ضروري لتوفير النقد الأجنبي الذي كان يهدر بسبب الفجوات والفساد في إدارة الاعتمادات، خاصة مع وجود حوالي “1.1” مليار دولار مخصصة للإلكترونيات خلال فترة قصيرة، وهي قيمة غير منطقية بالنسبة للاحتياجات الفعلية للسوق.
وأضاف أن ضبط الكميات وتحديدها يشمل جميع السلع الأساسية والكمالية على حد سواء، لضمان وصولها إلى السوق الليبي ومنع استغلالها في السوق الموازية أو الدول المجاورة.
كما أوضح أن تنسيق وزارة الاقتصاد مع مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية لأول مرة يمثل خطوة مهمة لتوحيد السياسات الاقتصادية، بما في ذلك وضع ميزانية موحدة وترشيد الإنفاق، مؤكدًا أن هذا التعاون سيساهم في تخفيف الضغط على سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي، ويحد من التضخم الناتج عن زيادة عرض النقد وارتفاع الطلب على الدولار.
وتابع: أن المشكلة الأكبر تكمن في تلاعب بعض التجار بالاعتمادات واختلاف الأسعار، مشيرًا إلى أن ترك الاعتمادات بلا رقابة يهدد الأمن القومي ويتيح فرصًا لإعادة التصدير غير القانونية، ويزيد الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية.
كما أشار إلى أن تنوع المنتجات المستوردة في السوق، مثل السلع الغذائية والمشروبات، يعكس خللاً كبيرًا في إدارة الاعتمادات وفسادًا محتملًا، إذ توجد في السوق منتجات من عشرات الدول لنفس السلعة، ما يفاقم ضياع النقد الأجنبي.
وأكد أن الإجراءات التي تشمل توريد السلع الأساسية عبر المصرف المركزي وتفعيل شركات الصرافة تهدف لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي، ومنع تحويل الاعتمادات إلى السوق السوداء، ما يسهم في حماية القدرة الشرائية للمواطنين وتقليل التضخم الناتج عن الطلب غير المنضبط على العملة الصعبة.
وأضاف أن تحديد الكميات بدقة أمر بالغ الأهمية لضمان وصول البضائع إلى السوق، ومراقبة الأسعار المستمرة ستقلل من الانفلات والتضخم العشوائي.
وأشار إلى أن الحزمة الجديدة للإصلاح الاقتصادي لعام 2026 تمثل مشروعًا متكاملًا، مبنيًا على نتائج حزمة 2025، وتشمل تحديد الكميات لكل السلع الأساسية والكمالية، مع مراقبة مستمرة لتحركات الأسعار وتنسيق كامل بين وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي ووزارة المالية.
وأضاف أن هذه الإجراءات تهدف إلى تقليل الضغط على سوق الصرف، وحماية المواطنين من ارتفاع الأسعار العشوائي، وضمان فعالية أي سياسات اقتصادية أخرى مرتبطة بالاقتصاد الوطني.
وختم الفارسي، بالقول: إن الإصلاح الاقتصادي لا يقتصر على التسعير أو الحملات على التجار، بل يتطلب إدارة واعية للاعتمادات، وضبط الأسواق، وتوفير قنوات رسمية لتوريد السلع، مع التركيز على حماية القدرة الشرائية للمواطنين والتغلب على الفساد الذي طال إدارة الموارد الليبية لعقود طويلة، مؤكدًا أن الإجراءات الجديدة لعام 2026، رغم وجود بعض القصور، تمثل خطوة إصلاحية ضرورية لمعالجة الاختلالات الاقتصادية وضمان استقرار الأسواق.









