العبار: المجلس الرئاسي الحالي غير مؤهل لإدارة ملف المصالحة الوطنية
أكد الناشط السياسي صلاح العبار أن الحديث عن المصالحة الوطنية في ليبيا يجب أن يُنظر إليه من منظور وطني شامل، بعيدًا عن التركيز على شخصيات بعينها أو مؤسسات محددة.
وأوضح في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أن جهود المصالحة لم تتوقف على مر السنوات، حيث شملت وفودًا من القبائل والمدن وشخصيات قانونية واجتماعية، بهدف تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة.
وأشار إلى أن التوافق على اختيار الشخصيات المكلفة بعملية المصالحة لم يكن دائمًا ممكنًا نظرًا لتعدد الأطراف وانقساماتهم السياسية والإيديولوجية، مبينًا وجود ثلاثة أطراف رئيسية على الساحة: جماعات النظام السابق، الجماعات الإسلامية بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، والقوات المسلحة.
ولفت العبار إلى أن بعض النقاشات الأخيرة حول المصالحة انحرفت عن السياق الوطني لتصبح مرتبطة بشخصيات بعينها، مستشهدًا بما أثير حول الدكتور علي الصلابي، موضحًا أن دوره كمستشار للمجلس الرئاسي لا يمنحه أي صلاحية رسمية للتحكم في العملية أو توجيه الدعوات أو مخاطبة الأطراف بشكل فردي. وبينّ أن المصالحة يجب أن تكون مؤسسية وجماعية، تشمل تشكيلات متعددة من مناطق ومدن مختلفة، وفق خطط متفق عليها جماعيًا.
وأكد أن بعض الجهات حاولت تحويل هذه المبادرة الوطنية إلى شأن شخصي، رغم أن ما تم على أرض الواقع من خطوات مصالحة، بما في ذلك عودة المهجرين إلى بنغازي، يمثل إنجازات عملية مهمة على مستوى الدولة والمجتمع، بعيدًا عن الخلافات السياسية أو الأيديولوجية. وشدد على أن ما تحقق من مصالحة في ليبيا يُعد جانبًا وطنيًا بامتياز، وليس مسؤولية شخصية أو مجرد مبادرة فردية، داعيًا إلى التركيز على الجوهر الوطني وتجاوز الخلافات لتعزيز السلام والاستقرار.
وكشف العبار عن سير عمليات المصالحة الوطنية التي تقودها القوات المسلحة العربية الليبية، مشيرًا إلى أن الخطوات شملت إعادة بعض المبالغ المالية وتسليم المنازل، وتمكين عدد من المواطنين من العودة إلى مناطقهم، بما فيها طرابلس ومصراتة، تحت حماية القوات المسلحة رغم ما واجهته هذه الجهود من معارضة من بعض الجماعات الإسلامية في طرابلس، التي رفضت أي تقارب أو عودة للأشخاص، معتبرة أن المصالحة لا تمثلهم.
وأوضح أن القوات المسلحة واصلت مسارها في إنجاح المصالحة، حيث عقدت لقاءات مؤخرًا بين قيادات شبابية من مصراتة ورئيس الأركان الفريق خالد حفتر في سرت، وتم إنهاء أي إجراءات أمنية قائمة بحق من يقرر المشاركة في المصالحة وضمان عودتهم بأمان كامل، مؤكدًا أن هذا الإجراء يهدف لحماية الأفراد وليس السماح بالتدخلات السياسية أو الأيديولوجية.
وحذر العبار من محاولات بعض الفاعلين السياسيين، بما في ذلك جماعات الإسلام السياسي، استغلال المصالحة لتعزيز مواقعهم في ليبيا، مؤكدًا أن المصالحة الأمنية والسياسية يجب أن تُقام ضمن إطار واضح لا يشمل جماعات مصنفة إرهابية أو جهات ترفض الاعتراف بالمؤسسات الوطنية.
وأوضح أن المصالحة في سياق النزاعات المسلحة والسياسية يمكن تحقيقها عبر التوافق والشراكة السياسية، أما أي جانب عقدي أو ديني يرفض الاعتراف بالدولة فيعد عائقًا كبيرًا لا يمكن تجاوزه.
ولفت العبار إلى أن المجلس الرئاسي هو الجهة المخوّلة قانونيًا بإدارة ملف المصالحة الوطنية، محذرًا من السماح لأي جهة، بما فيها جماعات الإخوان، أو مستشارون متطرفون، بالاستحواذ على الملف، لضمان عدم تحويل المصالحة إلى أداة للتأثير السياسي أو “الشرعنة” الأيديولوجية.
وأكد العبار أن القوات المسلحة ستواصل جهودها في ملف المصالحة الوطنية مع الحفاظ على الأمن والاستقرار، موضحًا أن نطاق هذه الجهود وحدودها محددة وفق القانون والدولة، مشدداً على ضرورة فهم استراتيجيات بعض الجماعات الإسلامية والانتباه إلى مواقفها مشيراً إلى أن هذه الجماعات قد تغيّر خطابها تبعًا للظروف السياسية، مستشهداً ببعض الأمثلة حيث كان بعضهم يثني على معمر القذافي ومن ثم يجتمعون معه، وعندما تغيرت الظروف وسقط النظام، تحول خطابهم إلى مهاجمته واتهامه بتحريف القرآن، رغم أنهم في وقت سابق أشادوا بنشره للقرآن واهتمامه بالشريعة.
وبيّن الناشط السياسي صلاح العبار أن هذه التيارات كثيرًا ما توظف الخطاب الديني كأداة تكتيكية لتحقيق أهداف سياسية، وليس انعكاسًا للحقائق التاريخية، مشيرًا إلى أن رفع المصاحف أمام جيش الإمام علي رضي الله عنه كان رمزياً للتعبير عن الالتزام بالشرع، ولكنه لا يعني أن كل استخدام للخطاب الديني يعكس الدوافع الصادقة، مؤكدًا على ضرورة قراءة الواقع بدقة لفهم توظيف الخطاب الديني في السياسة والتمييز بين الدوافع الحقيقية والتوظيف التكتيكي.
وتابع: دور الدكتور علي الصلابي في مخاطبة القيادة العامة لا يندرج ضمن ما يُعرف بـ “مغازلة” للسلطة، بل يمثل فرصة لإمكانية الحوار وفتح قنوات تواصل، مستشهدًا بإشاراته إلى صلح الحديبية كنموذج لاستراتيجيات التفاوض والتخفيف من التوترات.
وأشار العبار إلى أن المجلس الرئاسي الحالي غير مؤهل لإدارة ملف المصالحة الوطنية، موضحًا أن عدم اتفاق الأطراف المختلفة على تكليف الصلابي بهذا الملف سيؤدي إلى إخفاقات واضحة، ومبينًا أن المشكلة ليست في تكليف الصلابي وحده، بل تعكس عجز المجلس الرئاسي ككل عن إدارة هذا الملف الحساس.
ورأى العبار أن محاولة المجلس إظهار حياده وعدم الانتماء لأي جماعة سياسية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، “قد تكون جيدة من الناحية الشكلية، لكنها غير كافية لمعالجة الوضع الليبي على الأرض”، مضيفًا أن الجماعات الإسلامية المتطرفة ترفض الانخراط في هذا الملف لأنها لا تعتبر أن المصالحة تعني شيئًا وفق عقيدتها.
كما شدّد العبار على أن ملف الإخوان المسلمين في ليبيا يحمل أبعادًا دولية أكثر من كونه محليًا، إذ يشمل تصنيفات إرهابية وملفات مالية معقدة، موضحًا أن القوى الدولية مثل مصر والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة تسعى لإبعاد هذه الجماعات من المشهد السياسي.
وعلى الرغم من هذه التحديات، لفت العبار إلى أن هناك مدنًا ليبية، من بينها الزاوية ومصراته وبني وليد، تسعى بجدية نحو المصالحة الوطنية، وختم مداخلته بالتأكيد على أن إدارة هذا الملف تتطلب شخصيات محلية مؤهلة، وليس مجرد تكليف شكلي من المجلس الرئاسي.









