اخبار مميزةليبيا

الكاديكي: تنظيم سوق الفضة ضروري لحماية الاقتصاد وثروات ليبيا المعدنية

أكد الخبير الاقتصادي، خالد الكاديكي، أن الاهتمام بالفضة ارتفع بشكل كبير على المستوى المحلي نتيجة أحداث عالمية مؤثرة، مشيراً إلى أن سعرها قفز من 4 دنانير إلى 21 دينارًا خلال يومين فقط، مؤكداً أن هذا الارتفاع يمثل طفرة كبيرة في قيمة المعدن.

وأوضح الكاديكي، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن هذا الارتفاع ناتج عن ثلاثة عوامل رئيسية، أولها: يتعلق بالحروب والصراعات بما في ذلك الهجوم الأمريكي الأخير على فنزويلا بهدف السيطرة على الذهب والمعادن، مشيرًا إلى أن المعادن أصبحت اليوم مصدرًا مهمًا للدخل القومي لأي دولة، مثل الذهب والفضة واليورانيوم وغيرها، والتي تلعب دورًا حاسمًا في التغيرات الاقتصادية، أما العامل الثاني، فهو التوترات السياسية والجيوسياسية العالمية، التي دفعت المستثمرين للابتعاد عن العملات الورقية مثل الدولار، والاتجاه نحو المعادن الثمينة.

وأشار إلى أن الصين كانت سباقة في هذا التوجه، حيث بدأت تجمع كميات كبيرة من الذهب والفضة، ما ساهم في ارتفاع أسعارهما بشكل ملموس.

وأوضح الكاديكي، أن اهتمام الصين بالفضة مرتبط بشكل رئيسي بثلاثة استخدامات صناعية: أولها صناعة الألواح الكهربائية للطاقة الشمسية، التي تعتمد بشكل كبير على الفضة في المواد المكونة لها، وثانيها صناعة السيارات الكهربائية التي تغذي بها السوق العالمي، والتي تحتاج أيضًا إلى الفضة في المكونات الثانوية.

وأشار الكاديكي، إلى أن العامل الثالث يتمثل في ضعف الدولار والسيطرة على الاحتياطيات من الذهب والفضة، مما عزز من قيمة هذه المعادن على المستوى العالمي. وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة خلقت بيئة عالمية ساهمت في زيادة الطلب على الفضة، وهو ما انعكس على الأسواق المحلية في ليبيا.

وأكد الكاديكي، أن ليبيا تمتلك احتياطيات كبيرة من المعادن تصنف ضمن الأكبر عالميًا، وتشمل الحديد والفحم والمغنيسيوم وأنواعًا أخرى من المعادن ذات القيمة الصناعية الكبيرة، مضيفًا بالقول: “إذا فكرنا بعيدًا عن النفط والعملات الأجنبية، فإن ليبيا تمتلك ما يمكن اعتباره التمويل الثاني، وهو تمويل يعتمد على الموارد الطبيعية واستثمارها في الصناعة”.

وأوضح أن الدول التي تفتقر لهذه الموارد تتأثر اقتصاديًا أكثر، كون اقتصادها يعتمد على الاستهلاك والاستيراد، مما يجعلها عرضة للتقلبات في أسواق المعادن والمواد الأساسية. مشيرا إلى أن هذه المعادن تدخل بشكل مباشر في صناعة الفضة والذكاء الاصطناعي، حيث تعتمد المعدات الحديثة على هذه المواد، ما يجعلها محركًا رئيسيًا للتطور الصناعي العالمي. وأضاف: “لا توجد دولة لن تتأثر بهذه التطورات، سواء كانت مستهلكة أو مستوردة بكميات كبيرة”.

وحول الاستفادة المحلية من هذه الموارد، قال الكاديكي، إن بعض التجار الليبيين المعروفين بذكائهم التجاري استثمروا بشكل كبير في هذا المجال، مستفيدين من الفرص الجديدة وتصدير هذه المواد للدول المهتمة، مضيفًا: “هم من يديرون العملية ويستفيدون من هذه المعادن، وليس الشركات الليبية التقليدية”.

وأوضح الكاديكي، أن أسعار الذهب شهدت أيضاً زيادة ملحوظة، حيث ارتفع سعر الغرام من 400–500 دينار إلى نحو 1,005 دنانير، ما يعكس ارتفاع الطلب على المعادن الثمينة بشكل كبير.

وأوضح أن سبب هذا التزايد يعود إلى تسييح الفضة واستغلالها لتلبية احتياجات الدول الأخرى، بالإضافة إلى جمعها من السوق لإعادة تصنيعها في معامل السبائك وتجهيزها لاستخدامات صناعية متعددة، مبيناً أن المعادن الثمينة أصبحت مادة أساسية في الصناعات الحديثة، وخاصة في مجال الطاقة المتجددة.

وأشار إلى أن التحول العالمي نحو مصادر الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يدفع الطلب بشكل متزايد على المعادن المستخدمة في تصنيع الألواح الشمسية والتوربينات والمعدات الكهربائية، منوهاً إلى أن المحطات الحديثة للطاقة المتجددة باتت أقل تكلفة بكثير مقارنة بمحطات توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز أو الديزل، وهو ما يجعل التوجه نحو المواد الطبيعية ضرورة اقتصادية وبيئية.

وشدد الكاديكي، على أن هذا الارتفاع في أسعار المعادن ليس مؤقتًا، بل يعكس التحولات العالمية الجذرية في أسواق الطاقة، مما يجعل الاستثمار في المعادن الثمينة خيارًا استراتيجيًا للمستقبل.

وأضاف أن هذه الثروات تمثل فرصة كبيرة للاقتصاد الوطني، خاصة إذا ما تم توجيه الاستثمار بعيدًا عن الاعتماد الكلي على النفط، نحو صناعات المستقبل المتمثلة في الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة.

وأوضح أن ليبيا بحاجة ماسة إلى إنشاء هيئة متخصصة لدراسة الاستفادة من المعادن واستغلال الطاقة، مؤكداً أن هذه الهيئة يجب أن تكون ضمن إطار وزارة أو جهة رسمية معترف بها دوليًا، مشيرًا إلى وجود نحو خمس وزارات مرتبطة بقطاع المعادن والطاقة، بما في ذلك هيئة للتعدين وهيئة للطاقة المتجددة، مشددًا على ضرورة تقييم حجم الموارد المعدنية المتاحة واستغلالها بشكل فعّال.

وأضاف أن بعض المعادن الصخرية يتم تصديرها بأسعار مرتفعة، حيث تصل قيمة القنطار الواحد إلى نحو 400 ألف دولار، مع وجود شركات كبيرة مستثمرة في هذا القطاع في مناطق مثل دبي والإمارات، بالإضافة إلى استثمارات من دول مثل أمريكا والصين وألمانيا.

وأكد الكاديكي، على أهمية وجود بنك استثماري متخصص في المعادن والطاقة المتجددة، يحدد الشركات المستثمرة والمحلية، ويمتلك أصولًا تمكنه من تقييم الموارد ودخولها إلى البورصة، موضحًا أن سوق الأوراق المالية الليبي يقتصر حاليًا على المصارف التجارية، دون وجود شركات تعدين أو شركات متخصصة في التحويل والإنتاج وإعادة التدوير، وهو ما يمثل فرصة لتعزيز الشفافية وتشجيع الاستثمار.

وأوضح الكاديكي، أن ليبيا تمر بظروف استثنائية تختلف عن باقي دول العالم، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، مشيرًا إلى أن التحديات الاقتصادية تجعل من الصعب الاعتماد على الذهب والدولار وحدهما في عمليات التبادل، وأن الفضة بدأت تلعب دورًا متزايدًا كبديل للذهب في بعض المعاملات، مثل تجهيزات الزواج، حيث لاحظت بعض الأسر استخدام الفضة المبطنة أو المغطاة بشكل شكلي بدلاً من الذهب.

وأضاف أن هذا التطور ليس جديدًا، إلا أن الكثيرين لا يدركون أن الفضة تُستخدم بشكل كبير في الاقتصاد الليبي. مشددا على أهمية اعتماد الفضة معيارًا للتبادل التجاري مع ضرورة تنظيم السوق بشكل واضح، بما يشمل تحديد سعرها ووضع قيود على استيرادها وتصديرها للخارج، موضحًا أن هذا التنظيم ضروري لمنع الاستنزاف الاقتصادي، سواء للدينار الليبي أو الدولار أو المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة.

وقال: إن الأمر يتعلق بمحاور أساسية تهم الاقتصاد الليبي: الاستنزاف المستمر للعملة الوطنية والدولار، وكذلك الذهب والفضة، وهو ما يستدعي تدخل الدولة لضبط السوق وتنظيم عمليات التبادل”. مؤكداً أن التجار دائمًا يجدون طرقًا للاستفادة، سواء من النشاط التجاري المشروع أو غير المشروع، وأن أي محاولات لتقييدهم غالبًا ما تكون غير فعالة بسبب أساليبهم المتعددة في الاستثمار والكسب المادي.

وشدد على ضرورة اعتماد سياسة متوازنة لا تضر بالتاجر ولا بالحكومة ولا بالدولة، محذرًا من أن الأعباء الاقتصادية غالبًا ما تقع على كاهل المواطن، مضيفًا أن أي تغييرات في أسعار الذهب أو الدولار أو النفط تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الاقتصاد وحياة المواطنين.

وتطرق الكاديكي، إلى موضوع الضرائب، مشيرًا إلى أن هدفها يجب أن يكون تعزيز انتعاش الدولة، وليس مجرد سد احتياجات الحكومة، موضحا أن فرض الضرائب على الدولار أو السيارات والاستهلاك يهدف غالبًا إلى تلبية احتياجات مالية محددة للحكومة، وليس لتعزيز الرقابة الاقتصادية أو تحسين حياة المواطنين، معتبراً أن هذه الممارسات جزء من خلطة السياسات المالية في ليبيا التي تحمل عبئا كبيرًا على المواطن.

وفي ختام مداخلته، شدد الكاديكي على أن مجلس النواب مطالب بوضع سياسات تشريعية واضحة وصريحة في المجال الاقتصادي، مع ضرورة الاستعانة بخبراء ومستشارين متخصصين في كل مجال اقتصادي لضمان صياغة قوانين وسياسات فعالة، مؤكدًا أن التشريع يجب أن يخدم الدولة أولًا، ثم المواطن، مشيرًا إلى أن الواقع الحالي في ليبيا لا يعكس هذا التوازن بما فيه الكفاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى