ليبيا

«الطور»: غياب الشفافية والحوكمة وضعف الرقابة وراء استشراء الفساد

قال عضو الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد، أبو بكر الطور، إن الإشكالية الأساسية في ليبيا تتمثل في غياب الشفافية في المعلومات، مؤكدًا أن المشكلة تتعلق بمنهجية تحليل تقوم على ضعف الإفصاح وعدم وضوح البيانات، إذ لا توجد شفافية حقيقية حتى في المؤسسات التي أعلنت عن مبادرات للإفصاح.

وأضاف «الطور»، في تصريحات على قناة «ليبيا الأحرار»، أن مؤتمر الشفافية الذي نظمه المصرف المركزي، خلال العامين الماضيين لم ينعكس فعليًا على مستوى الإفصاح، مبيناً أن الدولة لديها حسابات مالية، غير أن عدم إقفالها وعدم معرفة النتائج النهائية للقوائم المالية يجعل من المتعذر تقييم ما إذا كانت تسير وفق الخطة المالية المعتمدة أو تشهد انحرافات، معتبرًا أن هذه المسألة تمثل خللًا جوهريًا في الإدارة المالية.

وأشار إلى وجود ضعف في الأجهزة الرقابية، بما في ذلك ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد، لافتًا إلى أن هذه الجهات لم يُسمع عنها إحالة تقاريرها أو اتخاذ خطوات حازمة استنادًا إليها.

وأضاف أن الوعي الشعبي بات يدرك ضعف الإدارة المالية والإدارية للدولة نتيجة تراجع الكفاءات وضعف الأداء، مبينًا أن التطور التكنولوجي يتيح إقفال الحسابات بسهولة، إلا أن استمرار عدم إقفالها يثير الريبة والشك لدى المواطنين الذين يطالبون بإصلاحات واسعة.

كما أشار إلى أن الضغوط الدولية مستمرة لمتابعة الأوضاع والدفع نحو إصلاحات، وأن تقارير منظمة الشفافية الدولية سلطت الضوء على الفساد وغياب الشفافية والإفصاح.

وأكد أن الحصول على المعلومات في المؤسسات الليبية يكاد يكون مستحيلًا، حتى بالنسبة للباحثين والأكاديميين، مشيرًا إلى أن إدارات معنية، ومنها إدارة البحوث في المصرف المركزي، لا توفر البيانات للباحثين، وهو ما يعكس وجود فساد واضح ومتجذر.

ورأى «الطور»، أن معايير الحوكمة والشفافية والإفصاح وقفل الميزانيات تمثل ركائز أساسية لأي دولة، وأن عدم إقفال الحسابات يعد علامة استفهام واضحة حول الخلل في الإدارة المالية، مشيرا إلى أن المصارف التجارية قد تتأخر في إقفال حساباتها لسنوات بسبب ضعف الرقابة، إذ قد تمر ثلاث أو أربع أو حتى خمس سنوات دون إقفال الميزانيات.

ولفت إلى أن ليبيا دولة مصدرة للأموال وتعتمد على النفط، مؤكدًا أنه لولا النفط لكانت الأوضاع أكثر صعوبة، لكنه شدد على أن المشكلة قد تكون هيكلية أيضًا، إذ إن هيكل الاقتصاد الليبي يسمح بوجود ثغرات، ما يعني أن تحقيق مستوى متقدم من الحوكمة والشفافية والإدارة الرشيدة قد لا يكون كافيًا لمعالجة جذور المشكلة طالما بقيت الهيكلية الاقتصادية على حالها.

وأضاف أن دور الأجهزة الرقابية والمحاسبية يقتصر على إعداد التقارير ورصد المخالفات وحساب مظاهر الفساد، غير أنها لا تملك صلاحية إحالة المتهمين مباشرة إلى القضاء، موضحًا أنها تكتفي بإحالة تقاريرها إلى السلطات القضائية التي تتولى مهمة الضبط القضائي، إلا أن إجراءات التقاضي قد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى تنفيذ فعلي.

وأكد أن الإشكال لا يكمن في غياب القوانين، إذ إن التشريعات موجودة، وإنما في ضعف تنفيذ الحوكمة، مشيرًا إلى وجود حالات يجمع فيها بعض المسؤولين بين عشر أو خمس عشرة وظيفة وعضوية في أكثر من عشر شركات، رغم أن القانون لا يسمح بأكثر من عضويتين، متسائلًا عن مبررات استمرار هذا الوضع.

وأكد ضرورة الانتقال من توصيف المشكلات إلى تحديد منابع الفساد الرئيسية ومعالجتها، موضحًا أن من أبرز هذه المنابع انتشار الأسواق السوداء، معتبرًا أن أي دولة تعتمد سعرين أو ثلاثة للعملة ستكون عرضة للفساد.

كما أشار إلى جرائم التهريب، والاعتمادات الوهمية، والمشتريات المحلية والخارجية، وضعف تحصيل الإيرادات السيادية، بوصفها بؤرًا أساسية للفساد.

وبيّن أن نحو 20 مليار دولار مخصصة للاستيراد، وعند احتسابها بسعر صرف يقارب 6.5 دينار للدولار، فإن القيمة تعادل نحو 130 مليار دينار ليبي، في حين أن الحصيلة النهائية من الضرائب والرسوم الجمركية لا تتجاوز مليار دينار، رغم أن احتساب نسبة 5% فقط على ما يقارب 120 مليار دينار كان يفترض أن يحقق نحو 6 مليارات دينار كإيرادات جمركية، معتبرًا أن هذا الفارق يمثل “عين الفساد”.

وقال الطور، إن الوضع الاقتصادي العام في ليبيا “متعب بشكل كبير”، مؤكدًا أن معالجته تتطلب فترة زمنية يتم خلالها وضع النقاط على الحروف وتشخيص الخلل بدقة، موضحًا أن المسؤولية لا تقتصر على الحكومة أو المؤسسات الرسمية فحسب، إذ يمتد فساد بعض الأطراف إلى منافع خارجية ومنتفعين يطلبون العملة الأجنبية أو يلجؤون إلى الاعتمادات المستندية من القطاع الخاص، الذي وصفه بأنه “نهم لأموال الدولة بشكل كبير”.

وأضاف أن برامج التهريب لا ترتبط بالحوكمة بقدر ما ترتبط بضرورة إغلاق هذه المنابع ووقفها حتى تستقيم الأوضاع، مشددًا على أن استمرار الوضع القائم دون تحرك جاد من السلطات المعنية سيؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي.

ورأى الطور، أن عدم المعالجة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار العملة الأجنبية وتراجع القوة الشرائية للدينار الليبي، بما يفاقم الأعباء على المواطنين، فضلًا عن انتشار القضايا والجرائم، معتبرًا أن كلفة هذه الجرائم “عالية على الدولة”.

وأكد الطور، أن المخرج يتمثل في البحث عن وسائل وأدوات فعالة لمكافحة استشراء الفساد في مفاصل الدولة، باعتباره المدخل الأساسي لوقف تدهور تحسين الأوضاع المعيشية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى