اخبار مميزةليبيا

احميد: السلاح والانقسام عطّلا بناء الدولة والحل في حوار وطني

أكد الصحفي والمهتم بالشأن السياسي إدريس احميد، أن مرور خمسة عشر عامًا على أحداث 2011 يفرض على الليبيين وقفة جادة لطرح سؤال محوري حول وجهة البلاد ومستقبلها، مشددًا على أن المرحلة الراهنة تستوجب إطلاق حوار وطني هادف وبنّاء، يتجاوز حالة الانقسام ويؤسس لرؤية واضحة المعالم تقود ليبيا نحو الاستقرار.

وأوضح احميد، في حديث لقناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن البلاد لا تزال ترزح تحت وطأة أزمات متلاحقة وانقسامات سياسية وأمنية انعكست بصورة مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، في ظل تراكم أزمات اقتصادية واجتماعية عمّقت من معاناة الشارع.

ولفت إلى أن المشهد الداخلي بات منقسمًا بين فئة استفادت من الأوضاع القائمة، سواء في مرحلة النظام السابق أو خلال السنوات التي أعقبت 2011، وبين غالبية واسعة تتحمل تبعات الانقسام وتداعياته المعيشية.

وأشار إلى أن المواطن الليبي يواجه اليوم ظروفًا اقتصادية خانقة، متسائلًا عن مدى منطقية استمرار مشاهد الطوابير الطويلة للحصول على الوقود والزيت، أو انتظار صرف المرتبات، في وقت تُهدر فيه الميزانيات وتتعثر الاستثمارات وتتصاعد شبهات الفساد. مؤكداً أن هذا الواقع لا يمكن القبول باستمراره، داعيًا إلى مصارحة وطنية شاملة تُحدد المسؤوليات بوضوح، كلٌّ بحسب موقعه.

وتطرق احميد إلى الملف الأمني، معتبرًا أن انتشار السلاح وتعدد التشكيلات المسلحة، إلى جانب تفاقم المظالم، شكّل تحديًا بالغ الخطورة أمام مشروع بناء الدولة.

وأضاف أن النخب التي تصدرت المشهد في المرحلة الانتقالية لم تنجح في إدارة الخلافات بصورة جامعة، بل انخرط كثير منها في تكريس الانقسام بدلًا من احتوائه. واستحضر أول اختبار حقيقي أعقب إعلان التحرير، والمتمثل في رفض بعض التشكيلات المسلحة تسليم أسلحتها، واصفًا ذلك بأنه مؤشر مبكر على صعوبة فرض سلطة الدولة وبسط نفوذها.

كما توقف عند انتخابات يوليو 2012، معتبرًا أنها كانت محطة مفصلية وفرصة حقيقية لوضع البلاد على مسار مستقر، غير أن التطورات اللاحقة أدت إلى انحراف المسار، ما ساهم في إطالة أمد الأزمة السياسية وتعقيداتها.

وأكد احميد أن الاحتفال بذكرى التغيير حق مشروع، لاسيما في ظل الأسباب الموضوعية التي دفعت إليه، إلا أن تقييم التجربة يبقى ضرورة وطنية لا غنى عنها.

وذكّر بأن ليبيا، منذ استقلالها عام 1951، عرفت مؤسسات دولة مبكرة، وكانت خلال سبعينيات القرن الماضي ضمن الدول المتقدمة نسبيًا في محيطها الإقليمي، غير أنها تراجعت عن مسار التنمية والاستقرار خلال العقود الأخيرة.

وبيّن أن ما جرى عام 2011 كانت له أسبابه وسياقاته، غير أن تداعياته العميقة ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على المجتمع، مشبهًا الحدث بـ “انفجار كبير” أدى إلى انقسامات حادة داخل النسيج الاجتماعي، وكشف عن عدم جاهزية المجتمع لتقبل الرأي الآخر، في ظل تركيبة اجتماعية ومناطقية معقدة أسهمت في تعميق الاستقطاب.

وشدد على أن المرحلة الحالية تقتضي العودة إلى منطق العقل وإجراء مراجعة شاملة للمسار السياسي، مع التحلي بالواقعية في صياغة المطالب الوطنية.

وأوضح أن جزءًا كبيرًا من المشهد السياسي خلال السنوات الماضية افتقر إلى رؤية واضحة وأهداف محددة، ما أطال أمد الأزمة وأضعف الثقة في العملية السياسية.

وفي السياق ذاته، أشار إلى أن الملف الأمني يظل التحدي الأبرز، مستحضرًا ما شهده الجنوب الليبي من أزمات معقدة خلال السنوات الماضية، ومؤكدًا أن استعادة الأمن وبناء مؤسسات موحدة يمثلان المدخل الأساسي لأي استقرار سياسي أو اقتصادي.

وقال إن ليبيا، رغم بساطة تركيبتها المجتمعية وقلة عدد سكانها وترابطهم الاجتماعي، ما تزال تواجه أزمة عميقة تعكس غياب منهج واضح لإدارة الدولة وضعف القدرة على إحداث تغيير حقيقي يمس حياة المواطن.

ولفت إلى أن معاناة الليبيين لا تقتصر على نقص السلع الأساسية، بل تمتد إلى غياب رؤية شاملة للإصلاح، مؤكدًا أن الدولة لا يمكن أن تتخلى عن مسؤولياتها في توفير العلاج والتعليم والبنية التحتية وضمان مقومات الحياة الكريمة، حتى في ظل الظروف الاستثنائية.

وتساءل احميد عن جدوى المسارات السياسية المتعاقبة، من حوارات واتفاقيات أفرزت حكومات مؤقتة، في ظل استمرار الانقسام بين الأطراف السياسية، معتبرًا أن الشارع بات غير قادر على التعبير عن صوته بحرية، وأن الإحباط الشعبي يتزايد في غياب حلول ملموسة.

وأشار إلى أن الصراعات السياسية ظاهرة طبيعية في تجارب الدول، غير أن استمرار الانقسام في ليبيا منذ 2011، وما تبعه من تعثر المسار الانتخابي نتيجة الانفلات الأمني آنذاك، عمّق الأزمة وأفقد المواطنين الثقة في جدوى العملية السياسية.

واعتبر أن تحسن الوضع الأمني، خاصة على مستوى تأمين الحدود، كان يفترض أن ينعكس إيجابًا على الاستقرار الداخلي والتنمية، إلا أن ذلك لم يتحقق بالشكل المأمول، متسائلًا عن أسباب العجز عن استثمار هذه المتغيرات في بناء مؤسسات فاعلة.

وشدد على أن ليبيا تزخر بالكفاءات والخبرات القادرة على معالجة أزماتها، بما في ذلك الأزمة المالية، غير أن “الأطراف النافذة” تسيطر على مفاصل حساسة، من المال العام وسوق الصرف إلى مؤسسات سيادية، ما يعقّد مسار الإصلاح ويحد من فرص الحل. مؤكداً أن الصبر وحده لا يكفي في ظل تحديات تمس الأمن الغذائي والصحة والتعليم والاستقرار، داعيًا إلى مواجهة الواقع بشفافية والاستجابة لنبض الشارع عبر خطوات عملية تعيد للدولة دورها وتضع البلاد على مسار التعافي.

كما دعا إلى مراجعة جادة للتجارب السابقة واستخلاص العبر من مختلف المراحل التي مرت بها ليبيا، سواء قبل 2011 أو خلال عهد المملكة، مشددًا على أن الهدف من المقارنة يجب أن يكون التقييم الموضوعي لا تأجيج الانقسام أو استدعاء الخلافات بين من يُعرفون بـ “الفبرايريين” و”السبتمبريين”.

وأشار إلى أن الجدل المحتدم على منصات التواصل الاجتماعي يعكس حجم الاستقطاب داخل المجتمع، ما يستدعي فتح صفحة جديدة تنطلق من أولويات وطنية واضحة.

لفت احميد، إلى استمرار التدخلات الخارجية في الشأن الليبي، محذرًا من التعويل على حلول تأتي من الخارج، إذ قد يطيل ذلك أمد الأزمة.

وأكد أن الحل ينبغي أن ينبع من الداخل عبر قيادة وطنية قادرة على إدارة المرحلة، وترسيخ الأمن أولًا، ثم التدرج نحو مسار ديمقراطي مستدام.

ونوه بأن النزعات الجهوية وضعف الوعي السياسي وانتشار التعصب تمثل عوائق حقيقية أمام بناء الدولة، مؤكدًا أن الليبيين يتطلعون اليوم إلى وطن آمن ومستقر تتقدم فيه مصلحة المواطن على سواها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى