ليبيا

الكاديكي: رفع سعر الدولار وقيود الاعتمادات الاستيرادية فاقمت أزمة الأسعار

أكد المستشار والخبير في مجال التنمية الاقتصادية، خالد الكاديكي، أن إعادة قيمة الدينار الليبي إلى مستويات مقبولة، ممكن في ظل الظروف الراهنة، لكن الأمر يتطلب سياسات وقرارات رشيدة، بالإضافة إلى مخطط تدريجي قائم على تقييم دقيق للوضع الاقتصادي المحلي والدولي.

وأشار الكاديكي، في تصريحات لقناة “الوسط”، إلى أن الخطوات الأساسية لتحقيق هذا الهدف تشمل تحديد ميزانية الدولة بدقة، وإلغاء الضرائب المرهقة، وتوحيد مؤسسات الدولة المنقسمة لضمان استقرارها، فضلاً عن تفعيل جميع الأدوات المالية والمصرفية بما يعيد الثقة إلى المصارف التجارية والمواطنين.

وأوضح أن عملية تحديد سعر صرف مناسب يجب أن تراعي الواقع المحلي والبيئة الاقتصادية الدولية، مشددًا على أن أي خطة لإعادة قيمة الدينار لا يمكن أن تكون فورية، بل تحتاج إلى تطبيق تدريجي مدروس، مع إمكانية إنجاز خطوات ملموسة خلال فترة قصيرة لا تتجاوز سنة لتغطية الاحتياجات الأساسية من الاستيراد والإنفاق الحكومي والخدمات العامة.

ورأى الكاديكي أن مصرف ليبيا المركزي أصبح الأداة الاقتصادية الوحيدة القادرة على إدارة العملية الاقتصادية في البلاد، موضحًا أن غياب السياسات المالية والاقتصادية والتجارية الأخرى أدى إلى تفاقم الأزمة الحالية.

ورأى أن الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ نحو عشر سنوات ترتبت على تراكمات سياسية ومالية سابقة، مشيرًا إلى أن الاعتماد على سعر الصرف كأداة وحيدة لمعالجة هذه الأزمة يعكس ضعف استخدام أدوات المركزي الأخرى في غياب سياسات مالية وتجارية واضحة.

وأكد أن مصرف ليبيا المركزي أصبح في كثير من الحالات يتعامل كأنه أداة لتنفيذ قرارات الحكومة وحل الأزمات بمفرده، وهو أمر غير مقبول في إدارة السياسة الاقتصادية، مبيناً أن غياب حكومة مستقرة وميزانية واضحة أثر بشكل مباشر على ارتفاع الأسعار.

وتابع: الاستراتيجية الحالية، القائمة على رفع سعر الدولار بشكل كبير والقيود المفروضة على الاعتمادات الاستيرادية، أدت إلى تفاقم الأزمة، خاصة مع عدم مرافقة الاعتمادات الكبيرة الممنوحة عمليات توريد فعالة للسلع والخدمات، مما ساهم في نقص المعروض وارتفاع الأسعار.

وشدد الكاديكي على أن فرض التسعير الجبري على السلع الأساسية في ظل هذه الظروف لا يخفف العبء عن المواطن بشكل حقيقي، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكلفة الدولار والاعتماد على السوق الموازية يدفع التجار لتخزين السلع وبيعها بأسعار مرتفعة لضمان الربح، ما يزيد من حالة المضاربة وعدم الاستقرار في السوق. وأضاف أن أي سياسات تهدف إلى تقييد التجار دون دراسة دقيقة للسوق وتهيئة ظروف مناسبة لتحقيق توازن حقيقي ستفشل، مؤكدًا ضرورة أن تستند إدارة السوق إلى دراسات واستشارات واضحة لضمان تحقيق الاقتصاد الحقيقي.

وبينّ الكاديكي أن نصف الاعتمادات التي منحتها وزارة الاقتصاد بحكومة الوحدة المؤقتة بين 2025 وبداية 2026 لم يكن لها أي أثر ملموس على سوق السلع في ليبيا، مؤكدًا أن البنك المركزي منح مؤخرًا اعتمادات بقيمة مائة مليون دولار، لكن فتحها دون رقابة أدّى إلى زيادة المضاربة وارتفاع الأسعار بشكل غير متوازن، كما أن توزيع الاعتمادات السابق لم يكن عادلاً، ما أتاح لبعض التجار السيطرة عليها منفردين، وأضاف أن ضعف الرقابة وعدم متابعة وصول السلع إلى جميع المناطق ساهم في تفاقم الأزمة، فضلًا عن تهريب العملة وارتفاع الأسعار في السوق الموازي.

وأكد الكاديكي أن فرض التسعير الجبري في ظل ارتفاع سعر الدولار الضريبي لا يحقق تخفيض الأسعار للمواطن، مشيرًا إلى أن التجار لا يستطيعون تقليل السعر بسبب التكاليف المرتفعة، ما يدفعهم إلى تخزين السلع ورفع أسعارها، لافتًا إلى أن هذه الممارسات تزيد من تعقيد السوق وتؤدي إلى خلل مستمر في تقييم الأسعار وارتفاعها.

واعتبر أن هذه الإجراءات بحاجة إلى دراسة دقيقة للسوق قبل تطبيقها، مع اعتماد سياسات تدريجية لضمان استقرار الاقتصاد وتحقيق التوازن بين الأسعار ومعدل التوريد، محذرًا من أن استمرار الممارسات الحالية دون معالجة جذرية قد يؤدي إلى مزيد من الانهيار الاقتصادي واستنزاف العملة الاحتياطية.

ونوه الكاديكي، إلى أن غياب السياسات الاقتصادية الشاملة وضعف الأجهزة الرقابية في ليبيا أدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن مصرف ليبيا المركزي أصبح الواجهة الوحيدة للتدخل وحل المشكلات النقدية، بينما لم يمارس المكتب الرقابي بالمصرف دوره بالشكل المطلوب لمتابعة السياسات النقدية والتنبيه للمخاطر، وأضاف أن الأجهزة الرقابية الأخرى، مثل ديوان الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة، لم تطبق دورها بشكل فعال، ما أدى إلى نقص الإفصاح عن السياسات الاقتصادية والتغيرات في السوق.

ولفت إلى أن غياب حكومة واحدة وسياسات الدولة الموحدة أجبر المصرف المركزي على التعامل كجهة منفردة لإدارة الأزمة، مؤكّدًا أن التدخل المباشر أصبح ضرورة نتيجة عدم قدرة الدولة على توفير أدوات سياسية ومالية أخرى لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بما فيها ارتفاع أسعار المحروقات وانقطاع بعض السلع، ومشيرًا إلى أن الاعتمادات المفتوحة مؤخرًا لم تحقق التأثير المطلوب في سوق السلع، مما جعل تدخل المصرف المركزي شبه وحيد لحل المشكلات الاقتصادية في ظل غياب استراتيجيات مالية واضحة وسياسات اقتصادية متكاملة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى