المصراتي: الأزمة الليبية تجاوزت القوانين الانتخابية إلى خلل في بنية السلطة

اعتبر الأكاديمي والمحلل السياسي عبد الباسط المصراتي، أن الأطروحات الأخيرة الصادرة عن البعثة الأممية بشأن الأزمة الليبية لا تحمل جديدًا، مؤكدًا أن ما قُدم من إحاطة ومقترحات لا يبتعد كثيرًا عن التصريحات والاستبيانات السابقة إذا ما نُظر إليها في سياقها الكامل والمتكامل، وإن كانت – بحسب وصفه – تتضمن ارتدادات مرتبطة بتوازنات القوى الفاعلة على الأرض، وكذلك باصطفاف الدول الكبرى المنخرطة في الملف الليبي.
وأوضح المصراتي، في حديث لقناة “الوسط”، رصدته صحيفة الساعة24، أن السياسة الأمريكية، لاسيما خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، لم تكن عسكرية أو سياسية بالدرجة الأولى، بل ارتكزت أساسًا على البعد الاقتصادي، مشيرًا إلى العقود التي أُبرمت مع ما وصفها بالحكومة الوطنية الأولى والثانية، والتي اعتبر أنها كرّست أولوية المصالح الاقتصادية في المنطقة الغربية، وانعكست على المشهدين العسكري والأمني والاجتماعي من منظور أمريكي.
وفي المقابل، رأى أن ما طرحته المبعوثة الأممية “هانا تيته”، إلى جانب ما يُتداول عن مواقف بعض المستشارين الدوليين، قد يبدو متعارضًا مع الاستراتيجية الأمريكية الأشمل، معتبرًا أن واشنطن تتحرك تحت مظلة مجلس الأمن الدولي بما يخدم خطتها الاستراتيجية بعيدة المدى، وليس وفق مقاربات مرحلية ضيقة.
كما لفت إلى أن ضبط الإيقاع في منطقة شمال أفريقيا، في ظل ما يجري في السودان وقرب المنطقة من البوابة الجنوبية للاتحاد الأوروبي، يجعل ليبيا في موقع ارتكاز استراتيجي، سواء لضبط توازنات الشرق الأوسط مع شمال أفريقيا أو للحد من النفوذ الروسي الممتد في الإقليم.
ومن هذا المنطلق، اعتبر أن الحراك الدولي تجاه ليبيا يندرج ضمن إعادة تموضع أوسع يخدم حسابات جيوسياسية واقتصادية متشابكة.
ورغم ذلك، شدد المصراتي على أن الإحاطات الأممية المتكررة، بما تتضمنه من تلويح بالعقوبات أو حديث عن مكافحة الفساد، لم تُفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة، متسائلًا عمّا إذا كانت هذه الأطروحات تحظى بإجماع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أم أنها تعكس تباينات في الرؤى الدولية.
وعلى الصعيد الداخلي، أكد أن الأزمة الليبية تجاوزت مسألة القوانين الانتخابية، معتبرًا أن الإشكال أعمق ويتصل ببنية السلطة ذاتها.
وأضاف أن مجلسي النواب والأعلى للدولة – وفق تعبيره – لا يمكن أن يشكلا معًا أساسًا صلبًا لوضع دستور دائم أو قوانين انتخابية مستقرة في ظل حالة الاستقطاب القائمة، مشيرًا إلى أن القوانين تحولت إلى أدوات لإدارة اللعبة السياسية وإطالة أمد الأجسام القائمة.
وانتقد المصراتي ما وصفه بـ “احتكار المشهد” من قبل عدد محدود من الفاعلين السياسيين، في مقابل تهميش إرادة نحو ثمانية ملايين ليبي، معتبرًا أن السياسة في جوهرها أخلاق وفن إدارة الشأن العام، وليست مجرد صراع على المناصب.
وأردف أن تعدد الحكومات وتوالي المبعوثين الأمميين دون نتائج حاسمة يعكس خللًا بنيويًا في إدارة المرحلة الانتقالية.
وفي معرض رده على سؤال بشأن مستقبل المسار السياسي، وما إذا كانت ليبيا تتجه نحو تسوية شاملة تقود إلى انتخابات، أم إلى مرحلة انتقالية أخرى توفر قدرًا من الاستقرار، أكد المصراتي أن المدخل الحقيقي يكمن في تجاوز “منطق السلطة” والاحتكام إلى إرادة الشعب بوصفه مصدر الشرعية.
كما شدد على أن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على عسكرة السياسة، مستشهدًا بتجارب تاريخية لثورات وانقلابات لم تُفضِ إلى تأسيس دول مستقرة، ومؤكدًا أن مصدر التشريع هو الشعب، وأن أي مشروع سياسي لا يستند إلى هذه القاعدة محكوم عليه بالفشل.
وفي سياق متصل، أشار إلى تراجع ثقة المواطن الليبي في العملية السياسية، في ظل أزمات متكررة تمس حياته اليومية، من نقص الوقود والكهرباء إلى إغلاق الطرق واندلاع الاشتباكات المسلحة، معتبرًا أن هذه الأوضاع انعكاس مباشر لإدارة الأزمة من قبل النخب المتصدرة للمشهد.
واختتم المصراتي تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار الفساد وسوء الإدارة أوصلا البلاد إلى مرحلة من التردي السياسي والمؤسسي، مشددًا على أن الدولة لا تُبنى إلا على ركائز دستورية وتشريعية واضحة، وعلى احترام القانون الذي ينظم العلاقة بين الأفراد والمؤسسات، محذرًا من أن بقاء الأزمة دون معالجة جذرية سيُعمّق حالة الانسداد ويُبعد ليبيا أكثر عن مسار الاستقرار المنشود.









