«المرداس»: «الدبيبة» يحاول ترميم علاقاته مع الميليشيات وتحصين وضعه السياسي

حذر الدبلوماسي والسفير السابق، محمد المرداس، من تفاقم الوضع الأمني في العاصمة طرابلس؛ نتيجة تصرفات الميليشيات والسياسيين المستفيدين من الفوضى، مؤكداً أن رئيس الحكومة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة والذي يشغل منصب وزير الدفاع لا يستطيع تأمين منزله وسلامته الشخصية أو تحركاته في مناطق حساسة.
وأضاف المرداس، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، أن بعض الميليشيات الصغيرة في المنطقة الغربية استوردت طائرات “درون” صغيرة تُستخدم في سياقات أمنية واستفزازية، ما يضع الحكومة تحت ضغط شديد.
وشدد على أن الميليشيات تمارس استفزازاً يومياً على المواطنين، وتتفاخر بأموالها ومواردها على وسائل التواصل الاجتماعي، في وقت يعاني فيه الشعب من نقص الخدمات والسلع الأساسية، مؤكداً أن هذه الممارسات تمثل نكاية في الشعب الليبي، وتؤثر سلباً على التعليم والرياضة والبنية التحتية في طرابلس.
وأوضح أن هذه القوى المسلحة والسياسيين المستفيدين يفرضون سيطرتهم على المدينة، ما يجعل استمرار حكومة عبد الحميد الدبيبة رهينة لهذه التوازنات “الميلشياوية” والسياسية، ويهدد استقرار طرابلس والأمن العام.
وأكد أن التعامل مع الخطوات السياسية والعسكرية للدبيبة يتطلب حراكاً سياسياً مدروساً، مشدداً على أهمية استخلاص الدروس من التجارب السابقة لفهم الواقع الحالي واستشراف المستقبل.
ودعا المرداس، إلى تبني موقف حازم ونهائي من الدبيبة، يشمل التلويح بجميع أنواع التدابير المدنية، وغير المدنية المتاحة، ووقف التعامل معه سياسياً، محذراً من أن استمرار الدبيبة في التحشيد العسكري والسياسي والمالي سيؤدي إلى تفاقم الأزمات ونشر المشاكل في خطوط التماس.
وأوضح أن السياسيين المحترمين، والقيادة العامة للقوات المسلحة، يجب أن يتخذوا موقفاً واضحاً وحازماً لحماية الاستقرار ومنع التصعيد، مؤكداً أن أي تهاون قد يتيح للدبيبة الاستمرار في استغلال الفراغ السياسي والعسكري.
وقال المرداس، إن حالة عبد الحميد الدبيبة، تشبه – بحسب وصفه – “عجل بني إسرائيل”، مشيراً إلى أن التساؤل الحقيقي يتمثل فيما إذا كان الدبيبة يقود الجماعات المسلحة أم أن هذه الجماعات صنعت منه رمزاً يخدم مصالحها.
وأوضح أن الدبيبة وصل إلى السلطة في أجواء احتفالية انطلقت من مواقع الميليشيات التي أبدت دعماً واضحاً له، في سياق صراعها مع شخصيات سياسية أخرى، مؤكداً أن العلاقة بين الدبيبة والميليشيات تشكلت في إطار “تحالف مصالح” جمع بين تشكيلات مسلحة، ونخب سياسية ونفعية من تيارات مختلفة، من بينها إسلاميون وآخرون محسوبون على أطراف سياسية متعددة.
وأكد أن هذا التحالف قام على تبادل المنافع، حيث يستفيد الدبيبة من دعم الميليشيات، بينما تستفيد هذه التشكيلات من استمرار نفوذها وتدفق الأموال، معتبراً أن الوضع أدى إلى تكوين منظومة تستفيد منها أطراف سياسية وحاملو السلاح وأصحاب النفوذ.
وأشار إلى أن الاحتجاجات التي شهدتها طرابلس في أكثر من مناسبة قوبلت بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين، لافتاً إلى سقوط بعض الضحايا، كما تحدث عن تحركات عسكرية للميليشيات بأرتال كبيرة داخل العاصمة، بما في ذلك في منطقة سوق الجمعة التي أبدت رفضاً للحكومة.
وتابع أن الاشتباكات الدامية لا تزال تتكرر في عدة مناطق من غرب ليبيا، بينها الزاوية، مؤكداً أن قوة الميليشيات والتشكيلات المسلحة باتت أكبر من قدرة الدبيبة على التحكم الكامل في المشهد، ما جعله الأضعف ضمن هذه المعادلة المعقدة.
ورأى المرداس، أن التغييرات السياسية والتحالفات الجديدة داخل الحكومة لا تعكس قوة حقيقية للدبيبة، بل تشير إلى تراجع قدرته على السيطرة، موضحاً أن العديد من الوزراء وصلوا إلى مناصبهم بدعم من ميليشيات، أو قوى نفوذ سياسية أو تيارات أيديولوجية.
وفي سياق آخر، تحدث المرداس، عن ضغوط تعرض لها القضاء، مشيراً إلى أن بعض القضاة اضطروا إلى مغادرة طرابلس والتوجه إلى بنغازي هرباً مما وصفه بضغوط المجموعات المسلحة والفساد.
وبيّن أن الدبيبة كان يواجه قبل شهر رمضان مشكلتين رئيسيتين، الأولى تتعلق بعلاقته بالمجموعات المسلحة، والثانية بما وصفه بفراغ كبير داخل حكومته، معتبراً أن محاولاته الحالية لإجراء تعديل وزاري وبناء علاقات جديدة مع التشكيلات المسلحة تأتي في إطار محاولة سد هذه الثغرات وترميم وضع حكومته.
وبين المرداس، أن الدبيبة يسعى إلى إيجاد مخرج سياسي وقانوني يضمن له ولعائلته حماية أموال جمعها خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن هذه المساعي قد تشمل تفاوضاً غير مباشر مع المجتمع الدولي لتأمين خروج من السلطة مع تجنب الملاحقة القانونية، مضيفاً أنه يعتقد أن الدبيبة سيغادر المشهد السياسي في نهاية المطاف.
ودعا المرداس، إلى اتخاذ موقف سياسي أكثر صرامة تجاه حكومة الدبيبة، معتبراً أن استمرار التعامل معها سياسياً قد يسمح بتمرير تحركاتها وتحويلها إلى أمر واقع، مؤكداً أن المطلوب أن يتخذ الطرف الآخر المتمثل سياسياً وعسكرياً في القيادة العامة للجيش ومجلس النواب خطوات ضغط واضحة، من بينها التلويح بوقف التعامل السياسي مع الحكومة وإبلاغ البعثة الأممية رسمياً بهذا الموقف عبر الأجسام الشرعية.
ولفت إلى أن هذا الإجراء يمثل شكلاً من أشكال التصعيد السياسي الموجه إلى المجتمع الدولي، بهدف توضيح أن استمرار التعامل مع الحكومة الحالية لا يعكس جدية في حل الأزمة الليبية، مشيراً إلى أن مثل هذا التصعيد قد يفتح الباب للوصول إلى تسوية سياسية نهائية.
كما أشار إلى أن وجود قنوات اتصال غير رسمية بين بعض الأطراف السياسية وحكومة الدبيبة يضعف الموقف السياسي المقابل، موضحاً أن مثل هذه الاتصالات قد تؤدي إلى ترتيبات أو تفاهمات غير معلنة، الأمر الذي ينعكس على مجمل المشهد السياسي.
وتطرق إلى تطورات الجنوب الليبي، لافتاً إلى أن الدبيبة يسعى إلى إيجاد موطئ قدم هناك بعد تراجع نفوذه، من خلال دعم شخصيات أو مكونات محلية بهدف إحداث تأثير سياسي، مبيناً أن اختيار الدبيبة للزادمة كنائب له، ماهي إلا محاولة لزعزعة الاستقرار في الجنوب الليبي، وتعويضاً لخسارته في المنطقة، معتبراً أن رئيس الحكومة يبحث عن نصر زائف عبر استخدام هذه الورقة، ومحاولة للهروب إلى الأمام سياسياً، مشدداً على أن ورقة الزادمة لن تنجح في إحداث اختراق بالجنوب.
وأكد أن التصعيد السياسي قد ينعكس على مجمل العلاقات والتفاهمات القائمة، بما في ذلك الترتيبات المتعلقة بإدارة المؤسسات، لكنه رأى أن خطوة كهذه قد تكون ضرورية لإيصال رسالة واضحة بشأن الموقف من الحكومة الحالية.
كما اعتبر الدبلوماسي السابق، أن تحركات الدبيبة الأخيرة تأتي في إطار ما وصفه بـ«الهروب إلى الأمام»، مشيراً إلى أن رئيس الحكومة يواجه ضغوطاً سياسية ودبلوماسية متزايدة، لافتاً إلى أن غياب الزيارات الرسمية له خلال الفترة الماضية قد يعكس تراجع مستوى الدعم الدولي أو زيادة الضغوط عليه لإيجاد حل سياسي.
وأضاف أن الدبيبة يسعى، من خلال تحركاته، إلى حشد دعم سياسي وشعبي وعسكري يتيح له التفاوض من موقع أقوى، سواء على المستوى الدولي أو المحلي، مشيراً إلى أن هذه التحركات قد تكون مرتبطة بمحاولة تأمين مخرج سياسي يضمن مستقبله.
كما أشار إلى أن الحكومة تواجه انتقادات واسعة على خلفية الأداء الاقتصادي والإداري، لافتاً إلى أن عدداً من المسؤولين فيها يواجهون ملاحقات قضائية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
وأردف المرداس: الدبيبة يحاول إعادة تشكيل تحالفاته مع بعض التشكيلات المسلحة وقوى النفوذ، إلا أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تعزيز نفوذ تلك الأطراف داخل الحكومة نفسها، بما يجعلها شركاء فعليين في السلطة وقد يحد من قدرة رئيس الحكومة على التحكم الكامل في قراراتها.
وأوضح أن تصوير وزير الدفاع وهو يتواصل مع عناصر مسلحة يُعد استفزازاً للشعب، مؤكداً أن هذه التصرفات تثير استياء المواطنين وتزيد من إحباطهم بسبب الأوضاع الاقتصادية ومشاكل السلع الأساسية اليومية.
وأشار إلى أن تعديلات وزارية محدودة لم تُحدث تغييرات فعلية في وزارتي الداخلية والدفاع، حيث بقيت بعض الشخصيات القوية مثل عماد الطرابلسي في مواقعها، مما يعكس استمرار هيمنة القوى المسلحة على المشهد السياسي.
وأضاف أن محاولات إبعاد بعض الشخصيات أو تقييد صلاحياتها باءت بالفشل نتيجة رفضها، وقوة دعمها الميليشيوي، مؤكداً أن هذه التشكيلات تفرض نفسها على الواقع في طرابلس، وأن استمرار الحكومة في هذا الوضع يجعلها عاجزة عن السيطرة الفعلية على المدينة.
ولفت إلى أن التوازن السياسي في العاصمة أصبح بيد قوى مسلحة مستقلة عن الدولة، مشيراً إلى أن حكومة الدبيبة وشركاءها السياسيين أصبحوا مجرد أدوات في يد هذه القوى، وأن استمرارهم في السلطة مرتبط بقدرتهم على التكيف مع النفوذ المسلح وليس بالسيطرة الحكومية المباشرة.
وأكد أن الوضع الحالي يعكس حالة من “الاستباحة” للعاصمة طرابلس، وأن أي محاولة لإعادة السلطة إلى المؤسسات الرسمية تواجه مقاومة قوية من الميليشيات، ما يجعل استمرار حكومة الدبيبة في طرابلس محدوداً ويهدد استقرارها السياسي والأمني.









