المسماري: التعديل الوزاري للدبيبة مجرد “قفزة في الهواء”

اعتبر أستاذ القانون في الجامعات الليبية، راقي المسماري، أن إعلان التعديل الوزاري في حكومة الدبيبة، لا يشكل حدثاً عملياً مؤثراً، مؤكداً أن صمت الأطراف السياسية والقوى المسلحة، والبعثة الأممية والمجتمع الدولي يعكس قلة أهمية الإجراء في المشهد السياسي الحالي.
وأوضح المسماري، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدتها “الساعة 24″، أن حكومة الدبيبة منذ ما قبل الصراع وصولاً إلى تشكيلاتها الحالية، لم تحقق أي إنجاز ملموس على الأرض، وأن نشاطها يقتصر على الجوانب المالية وإدارة المرتبات عبر وزارة المالية والمصرف المركزي.
وأشار إلى أن المناخ المحيط بالحكومة في طرابلس، غير ملائم للعمل الفعلي، وأن أي محاولة لتنفيذ برامج حكومية تواجه صعوبات كبيرة بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية، مؤكداً أن بعض الأطراف عطلت جهود نقل الحكومة إلى مناطق أكثر أماناً مثل سرت، بما يسمح للموظفين التنفيذيين بالعمل بعيداً عن القيود والعوائق الحالية.
وأكد المسماري، أن ما أعلنه عبد الحميد الدبيبة، بشأن تشكيل وزاري في طرابلس، لا يمكن توصيفه قانونياً كتعديل وزاري، موضحاً أن أي تعديل كان يفترض أن يتم عبر القنوات الشرعية والدستورية المنصوص عليها في الاتفاق السياسي.
وبيّن أن ما جرى وصفه لاحقاً بسد الشواغر أو ملء الفراغات، من خلال استبدال وزراء مستقلين بآخرين، أدى إلى فقدان الحكومة نصابها بعد خروج أكثر من 11 وزيراً، ما يعني فقدان الثلث تقريباً، رغم أن الاتفاق السياسي لم يحدد مسألة النصاب صراحة.
وأشار إلى أن الاتفاقات السياسية غالباً ما تكون منقوصة، معتبراً أن ذلك يعكس أيضاً قصوراً في خبرة الأمم المتحدة، مستشهداً باتفاق الصخيرات الذي لم ينص على منصب رئيس الوزراء، ما أوجد ازدواجية بين العمل السياسي والتنفيذي.
ورأى المسماري، أن الخطوة تهدف أساساً إلى محاولة لملمة الصفوف في غرب البلاد، عبر إشراك قوى مختلفة من مدن وقبائل ونواحٍ متعددة تحت مظلة الحكومة، مشيراً إلى تصريح الدبيبة خلال الاجتماع مع رئيس المجلس الرئاسي والوزراء الجدد بأن حكومته لا تعرف مدة محددة لبقائها، وأنها لن تغادر إلا عبر الانتخابات.
وحسب المسماري، فإن هذا الطرح يفتقر إلى الوجاهة القانونية، ويهدف في المقام الأول إلى تجميع قوة سياسية وقبلية واجتماعية وعسكرية، بما في ذلك تشكيلات مسلحة، داخل إطار حكومي لاستخدامها كورقة تفاوضية في أي مفاوضات مقبلة بين الشرق والغرب برعاية دولية أو أممية.
واعتبر أن الخطوة التي اتخذتها حكومة الدبيبة تمثل تحركاً داخلياً يهدف لملمة الصفوف في الغرب، نافياً أي ارتباط مباشر لهذا الإجراء بتحركات أو توجهات دولية، ولا سيما الأمريكية.
وأوضح أن البيان المرافق للتعديل تحدث عن التواصل والتشاور بهدف الدفع بالكفاءات إلى مواقع القرار لتحسين أداء مؤسسات الدولة وتقديم خدمات أفضل للمواطنين، لكنه شدد على أن هذه الخطوة ذات بعد سياسي داخلي بالدرجة الأولى.
وبيّن المسماري، أن الربط بين التطورات الليبية والسياسة الأمريكية، بما فيها إدارة الرئيس دونالد ترامب، ليس دقيقاً، موضحاً أن أي تراجع أمريكي في الملفات الدولية يفتح المجال أمام الدور الأوروبي والبعثة الأممية لتوسيع حضورهم في الملف الليبي، وأن واشنطن تمارس ضغوطاً متعددة على حلفائها الأوروبيين عبر السياسات التجارية والرسوم، في ظل تنافس واضح منذ وصول ترامب إلى السلطة.
ولفت إلى أن قرارات الإدارة الأمريكية، لا تُدار دائماً وفق المؤسسات التقليدية، بل في إطار مقاربة خاصة داخل البيت الأبيض، وأن التعديل الوزاري يهدف إلى الاستعداد لمرحلة سياسية مقبلة، في ظل حديث متزايد عن إمكانية تشكيل حكومة موحدة، معتبراً أن أي تراجع للدور الأمريكي يمنح الأوروبيين والأمم المتحدة مساحة أكبر للتحرك.
وعن الجانب الاقتصادي، أكد المسماري أن النفط الليبي عملياً تحت سيطرة الجهات الموجودة في الشرق، التي تملك الحقول في الجنوب وموانئ التصدير في الشمال، مشيراً إلى إشارات بعض مكونات مدينة أجدابيا مؤخراً إلى معادلة “الإعمار مقابل النفط”، في رسالة واضحة حول التنافس على إدارة الملف.
وأضاف أن المناقصات التي أعلنتها المؤسسة الوطنية للنفط في لندن وطرابلس وإسطنبول قد لا تُطبق على أرض الواقع، بسبب تحفظ الشركات الأجنبية وعدم ثقتها بقدرة الأطراف المتعاقدة على تأمين الحماية اللازمة أثناء عمليات التنقيب والاستخراج، سواء في الحقول البرية أو المنصات البحرية.
وتابع المسماري: الإطار القانوني للسلطة التنفيذية في ليبيا يستند إلى مخرجات ملتقى الحوار السياسي في جنيف التي عدّلت اتفاق الصخيرات، حيث تم إنشاء المجلس الرئاسي والحكومة ضمن كتلة واحدة، مع منح مجلس النواب الثقة للحكومة في سبتمبر 2021، ما يمنح الاتفاق السياسي سياقاً قانونياً يفترض أن يحكم إدارة هذه المسائل.
وأشار إلى أن الواقع السياسي والأمني فرض معادلات مختلفة، وأن المصطلحات المستخدمة في المحافل الدولية تعكس اعترافاً بوجود جيش فعلي في الشرق، فيما تُصنف التشكيلات في الغرب كقوات أو تشكيلات عسكرية، مع الإشارة إلى مناورات محتملة في مناطق يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي، ما يعكس فهم المجتمع الدولي لطبيعة السيطرة الميدانية على الأرض.
وبيّن المسماري، أن مسألة وزارة الدفاع ظلت عالقة منذ منح الثقة للحكومة، حيث لم يتم الاتفاق على وزير للدفاع، ما جعل الدبيبة يتولى المنصب عملياً ويوقع باسم وزير الدفاع، مضيفاً أن ملف النفط لا يقتصر على العقود، بل على القدرة على تنفيذها ميدانياً، في ظل سيطرة القوات المسلحة العربية الليبية على مساحات واسعة من مناطق الإنتاج، بما يشمل الواحات والهلال النفطي والجنوب والحدود مع النيجر.
وأكد المسماري، أن ما يتجاوز 70 إلى 80% من هذه المناطق تحت سيطرة تلك القوات، بينما المساحات الواقعة تحت حكومة الوحدة محدودة، ما يجعل تنفيذ العقود النفطية مرتبطاً بقدرة الجهة المسيطرة على الأرض على حماية الشركات.
وأشار إلى أن الخطوات الحالية لحكومة الدبيبة، والمؤسسة الوطنية للنفط ووزارة النفط تمثل تحضيراً لمرحلة سياسية قادمة، وأن تفعيل العقود لن يكون ممكناً عملياً إلا بوجود حكومة جديدة قادرة على إدارة الملف.
وواصل المسماري تحليله واصفاً إعلان التشكيلة الحكومية الأخيرة بأنه “قفزة في الهواء” من الدبيبة بهدف لملمة أطراف الغرب واستخدامها كورقة تفاوض، موضحاً أن سيطرة الحكومة على غرب البلاد ليست كاملة، بل محصورة في نطاقات محدودة.
وأضاف أن الوضع الأمني في الغرب لا يسمح بفرض سلطة مركزية قوية بسبب تعدد التشكيلات المسلحة، وأن أي تعديل وزاري في طرابلس لا يمثل المنطقة الشرقية ولا يمنحها حصة فعلية في السلطة.
ورأى المسماري، أن أي إعادة تشكيل أو تعديل حكومي يتطلب إجراءات قانونية ودستورية تمر عبر مجلس النواب، وأن الخلافات القائمة تتعلق بالمصالح السياسية أكثر من ارتباطها بالقوانين أو الدستور.
وبينّ أن التفاعلات السياسية والأمنية في الغرب تعكس محاولات التشكيلات المسلحة إيجاد غطاء سياسي يحميها، مشيراً إلى أن الدبيبة يسعى للحفاظ على علاقة متوازنة مع تلك التشكيلات عبر استرضائها وكسب دعمها وتأمين الحماية السياسية لها، ما يعكس طبيعة المشهد المعقد في غرب البلاد.
وعن انتقال بعض الشخصيات بين مواقع في حكومتين مختلفتين في إشارة إلى اختيار الزادمة نائباً للدبيبة، قال المسماري: إن هذه التحركات تعكس غالباً حسابات مصلحية وبراغماتية أكثر من كونها مواقف سياسية مبدئية، وأن الانتقال المفاجئ قد يجعل صاحبها في موقع إشكالي، إذ ينظر إليه الطرف الذي غادره كمنسحب أو خائن، فيما يعتبره الطرف الذي انتقل إليه وافداً جديداً أو دخيلاً.
وأضاف أن هذه التحركات لا تضيف بالضرورة قيمة سياسية أو إدارية، مؤكداً أن الانتقال الطبيعي يجب أن يكون في إطار توحيد المؤسسات، وليس في ظل الانقسام السياسي والأمني القائم.
وتطرق المسماري، إلى جهود حكومة الوحدة لتعزيز حضورها في الجنوب، مشيراً إلى أن السكان يدركون الفوارق بين غياب الحضور الحكومي والعسكري سابقاً والأوضاع الحالية، وأن الأمن والخدمات الأساسية مثل الوقود تظل من أبرز معايير تقييم الأداء الحكومي.
كما تناول المسماري، فرض ضريبة على مبيعات النقد الأجنبي، مؤكداً أن هذا الإجراء ينبغي أن يستند إلى أساس قانوني واضح، سواء بقانون صادر عن السلطة التشريعية أو بقرار حكومي، وأن مصرف ليبيا المركزي مطالب بمصارحة الرأي العام بهذا الشأن.
وأضاف أن حجم المرتبات في القطاع العام، الذي يبلغ نحو 73 مليار دينار، يشكل عبئاً كبيراً على المالية العامة ويستنزف العملة الصعبة، في ظل وجود عجز مالي يقدر بنحو ملياري دولار خلال أول شهرين من العام، وأن معالجة هذه الإشكالية تتطلب نقاشاً وطنياً تشارك فيه المؤسسات الرسمية والمجتمع، إلى جانب دور فعال للبرلمان ولجانه الاقتصادية والقانونية في وضع حلول علمية ومستدامة.









