لملوم: ملف الهجرة يعاني من فوضى مزمنة وتقع مسؤوليته على حكومة الدبيبة

أكد الباحث في قضايا الهجرة، طارق لملوم، أن ملف الهجرة غير الشرعية في ليبيا لا يزال يتسم بدرجة عالية من التعقيد الممتد منذ ما قبل عام 2011، موضحًا أن أجيالًا كاملة من المهاجرين وطالبي اللجوء تعيش في بيئة غير منظمة، داخل دولة تفتقر إلى آليات واضحة لتطبيق الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها.
وأوضح لملوم في تصريحات لقناة “التناصح”، رصدتها “الساعة 24″، أن ضعف متابعة وسائل الإعلام والجهات المختصة أسهم في تفاقم حالة الفوضى، حيث يُدار الملف دون رقابة فعالة، الأمر الذي يعرّض المهاجرين لانتهاكات متعددة، في وقت يتحمل فيه بعض المواطنين تبعات هذا الاضطراب.
وأشار لملوم إلى أن الاعتداءات المتكررة على المهاجرين في مدن مثل طرابلس ومصراتة وبنغازي غالبًا ما تقع خلال مناسبات اجتماعية، وتكون مدفوعة بخطاب كراهية وتحريض ممنهج، لا يميز بين المهاجرين النظاميين وغير النظاميين، بل يستهدفهم في كثير من الأحيان على أساس اللون، لا سيما القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء.
وبينّ أن عددًا كبيرًا من هؤلاء يعملون في قطاعات حيوية تشمل المصانع والورش وبعض المؤسسات الحكومية، إلى جانب أعمال الصيانة والنظافة، مؤكدًا أن الخطاب التحريضي يجعلهم عرضة للاستهداف دون مبرر، وقد يصل أحيانًا إلى تهديدات تمس الجوانب الدينية والهوية، ما يشكل خطرًا حقيقيًا على التعايش الاجتماعي.
ومن جهة أخرى، شدد الباحث في قضايا الهجرة، على أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق أجهزة الدولة، بما في ذلك وزارة الداخلية، وجهاز الهجرة الذي يعاني – بحسب وصفه – من حالة انقسام وضبابية في الاختصاصات، داعيًا إلى توحيد الجهود وتفعيل القوانين بما يضمن حماية حقوق الجميع، سواء المواطنين أو المهاجرين. كما حذر من أن استمرار خطاب الكراهية واستغلاله سيحوّل الملف إلى بؤرة توتر اجتماعي مفتوح، ما يستدعي تدخلًا حكوميًا جادًا، إلى جانب تعزيز دور الأجهزة الرقابية والتوعية المجتمعية.
ولفت لملوم إلى أن ملف الهجرة لا يقتصر على البعد القانوني والأمني فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا اجتماعية وثقافية حساسة، خاصة فيما يتعلق بدور الإعلام في ترسيخ الصور النمطية السلبية تجاه المهاجرين، ولا سيما القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء ومن القرن الأفريقي.
ورأى أن بعض المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي باتت تروج لمحتوى يقلل من كرامة المهاجرين، سواء عبر الأعمال الدرامية أو من خلال بعض المؤثرين، مشيرًا إلى أن هذا الخطاب لا يرتبط بالوضع القانوني بقدر ما يقوم على التمييز العرقي.
وفي هذا الإطار، نبه إلى أن تداعيات هذه الظاهرة لا تقتصر على المهاجرين، بل تمتد إلى المجتمع الليبي، خصوصًا فئة الأطفال والمراهقين، الذين قد تتشكل لديهم مواقف عنصرية منذ سن مبكرة، ما يهدد النسيج الاجتماعي على المدى البعيد، مشدداً على أهمية دور وزارتي الثقافة والتعليم في تعزيز قيم التسامح وقبول الآخر عبر المناهج والبرامج التربوية، بما يحد من تأثير الخطاب التحريضي.
كما أكد لملوم أن معالجة ملف الهجرة تتطلب رؤية شاملة ومتكاملة، تربط بين القانون والتعليم والإعلام والثقافة، بهدف بناء مجتمع أكثر توازنًا وعدالة، وحماية الأجيال القادمة من الانزلاق نحو التمييز.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن التعامل مع أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء لا ينبغي أن يقتصر على المقاربة الأمنية، بل يجب أن يشمل التوعية المجتمعية والدور الديني والتربوي، لافتًا إلى أن مؤسسات دينية مثل وزارة الأوقاف ودار الإفتاء لعبت أدوارًا مهمة في نشر الوعي خلال السنوات الماضية، داعيًا إلى تعزيز هذا الدور دون تعارض مع مهام الأجهزة الأمنية في ضبط المخالفين.
واستطرد موضحًا أن المساجد والوعاظ يمثلون عنصرًا مؤثرًا في توجيه الشباب نحو قيم التسامح واحترام الآخر، سواء عبر الخطب أو المنصات الرقمية، إلى جانب الدور المحوري لوزارة التعليم في رفع مستوى الوعي لدى الطلاب، مؤكدًا أن القضية لا تنفصل أيضًا عن طبيعة الخلافات الداخلية بين الليبيين أنفسهم.
وفي سياق متصل، لفت الباحث في قضايا الهجرة إلى أن مفهوم “التوطين” لدى بعض المواطنين يقوم على تصورات غير دقيقة، إذ يعتقد البعض أن المهاجرين يسعون للاستقرار الدائم في ليبيا، بينما الواقع يشير إلى أن الغالبية تسعى لاستخدام ليبيا كنقطة عبور نحو أوروبا، وليس كوجهة نهائية.
وبينّ لملوم أن بيانات المنظمة الدولية للهجرة تظهر إعادة مئات المهاجرين أسبوعيًا إلى ليبيا من مدن ساحلية مثل زوارة والزاوية وطرابلس والخمس، مؤكدًا أن سياسات التوطين وإدارة الملف تبقى مسؤولية الحكومة الليبية، لا المنظمات الدولية.
وفي الإطار ذاته، أشار إلى إعلان البرلمان الأوروبي ووزارة الداخلية الليبية عن خطط لإنشاء مراكز احتجاز بتمويل أوروبي، بهدف ترحيل المهاجرين ومراقبة تحركاتهم، ضمن سياسات تشمل دعم الأمن البحري وتأمين الحدود، ما يجعل ليبيا – بحسب تعبيره – أشبه بمركز مفتوح للاحتجاز، مع توقعات بتوسيع هذه المراكز في مناطق غرب البلاد مثل غريان والزنتان وبئر الغنم.
وفي ختام حديثه، حذر لملوم من أن التوسع في إنشاء مراكز الاحتجاز قد يزيد من معاناة المهاجرين ويعمّق الفوضى القائمة، مؤكدًا أن الحل يكمن في تبني مقاربة شاملة تعالج الجوانب القانونية والأمنية والإعلامية والمجتمعية، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الدينية والتعليمية، بما يضمن حماية المهاجرين ومنع استغلالهم، ويؤسس لبيئة قائمة على الاحترام والتعايش.









